جائع

جائع.jpg
جائع.jpg

رشا فرحات

جائع

وقف عبد الستار ممسكًا بطنه ضاغطًا عليه، في أذنيه يتردد صدى صوت غليان المياه في الوعاء الفارغ على نار الموقد، وهو جاحظ العينين، لا يدري ما الذي يمكن أن يضعه هنا بين المياه المغلية، لتخرج له شيئًا يسد رمقه.

الشمس من النافذة تتسلل، لا شيء هنا لتسطع فوقه سوى زجاجات الماء، الماء متوفر، وله طعم على غير طبيعته، حلو المذاق، وهذه المرة أحلى من أي مرة سابقة.

لم يأكل عبد الستار شيئًا منذ أربع وعشرين ساعة، بالتمام !!

يبحث في الخزائن، عن آخر ذرة طحين، أو معلقة سكر، أو حتى قطرة زيت،

الخزائن فارغة، والشجر في الخارج تتحرك أوراقه مع نسمة خفيفة لصباح صيفي حار، وكأنها تعانده هي الأخرى!

ما زال هناك وقت وأمل، ونفسه لم تستسغ أكل ورقة شجر، هذا يعني أن هناك متسعاً لصبر على الجوع أكثر .

جلبة في الخارج، أصوات صرخات ترتفع، يضغط على بطنه، يتذكر أنه سمع مرة عن فكرة ربط حجر على البطن، ربما تسكت صوت الجوع، وربما لو مرت أربع وعشرون ساعة أخرى سيعتاد البطن أكثر، وسيألف الجوع، إذا كان يمكن للجوع أن يؤلف !!

وقف على عتبة الباب ليستفهم عن أسباب الأصوات، في عينيه زغللة خفيفة، وصرخات الناس تعلو أمام بيته تمامًا.

جلس يتفرج، يسمع !

يلتف الناس حول فريسة ما، تبين أنه رجل في العشرين، يصرخ الرجل، تسقط ضربات من حوله على رأسه دون رحمة، هناك هراوات وأحذية، والمشهد يزداد بشاعة!

تعلو أصواتهم: "خائن، مغتصب، باع الوطن، باع القضية".

يحدق عبد الستار، يحملق في الجسد المغطى بالدماء، يضع كفه على خده، وكوعه ترتكز على ركبته، بينما تضغط يده الأخرى على بطنه ضغطة أخرى، يسرح فكره بعيدًا بينما تزداد الجلبة، ويصرخ الناس: "لقد مات" !!

يفكر في البحث في أمكنة أخرى في مطبخه الصغير، لعله يجد بعضًا من خبز يابس!

تزداد صرخات القتلة، القتيل لا صراخ له!

تزداد الضربات، يتمدد الرجل، يغرق في الدماء، ينصرف الحشد القاتل، يرددون من جديد: "خائن، مغتصب، فاجر"

ينتفض جسد عبد الستار، يتذكر، فجأة، قطعة خبز كانت مفروشة على شرفة غرفة نومه، وضعها ذات ربيع مضى، لعصافير الصباح، لعلها هناك، عاد إلى بيته، أغلق الباب، ركض إلى الشرفة...

في اليوم التالي، وقف شرطي على درجات بابه، يسأله عن هوية قتلة الرجل، الملقى على باب داره، عما حدث بالأمس، إلى أين فر القتلة ؟!!

"نحن لا نعيش في غابة، هذه مدينة القانون".

حدق عبد الستار في وجه الشرطي الواقف، وأغلق بابه مستنكرًا ضخامة السؤال، محتارًا في إجابته !

فكر في إجابة مفصلة على حجم مدينة القانون.

" لا أدري، لا أذكر، عن أي خيانة تتحدث، لقد كنت جائعًا !!"