مقال: بدو النقب.. صراعٌ على الهوية 

إياد الرواغ – صحفي فلسطيني

كعادته، يواصل الاحتلال الصهيوني حملاته الرامية إلى بسط سيطرته على كامل الأرض الفلسطينية مستمرا في مخططه التهويدي تحت قوة السلاح. حملة الاحتلال التهجيرية الشرسة في النقب ليست أول ولا آخر هذه الحملات التي يخوضها بشراسة وإجرام على مرأى ومسمع العالم، والهدف واضح للجميع: تهجير، وتهويد، واستعمار. 

لطالما استهدف الاحتلال منطقة النقب ذات الأهمية الاستراتيجية بوسائل شتى، ولطالما ضيق على سكانها في سبيل إضعاف عزيمتهم وإرغامهم على ترك أرضهم، فهو -رغم منحهم الجنسية الإسرائيلية- لا يعترف بملكيتهم لحوالي 13,5 مليون دونم، علما بأن المنطقة المأهولة بالسكان الأصليين، لا تتعدى مساحتها 240 ألف دونم من أصل مساحة صحراء النقب، ورغم كل الأدلة التاريخية والقانونية يرفض الاعتراف بهم، رغم أن نسبة البدو في النقب تكاد تصل إلى النصف (44%) من إجمالي سكان المنطقة! 

ويعاني سكان النقب المحتل -كما أسلفنا- من محاولات صهيونية حثيثة لتهويد أرضهم وتهجيرهم منها، فمنذ قيام دولة الكيان المزعومة إبان النكبة عام 1948 هجرت عصاباته حوالي 100 ألف فلسطيني فتحولوا إلى لاجئين في سيناء وقطاع غزة وبعض مناطق الضفة الغربية، بينما بقي منهم جزء يقدر بحوالي 55% ليواجه أقسى أنواع الاضطهاد والعنصرية الصهيونية، محروما من أبسط مقومات البقاء: الماء والكهرباء والتعليم. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل تعداه إلى تشكيل وحدة صهيونية خاصة عام 1976م، تتمثل مهمتها الأساسية في "حراسة أراضي الدولة" و"حمايتها من بدو النقب"، وأصبح الاحتلال "اللصوص" يطلقون على أصحاب الأرض الحقيقيين اسم "البدو المتسللين"، في قلب واضحٍ للحقائق كما هو معتاد من عصابات الاحتلال، صادرت هذه الوحدة مواشي بدو النقب، وهدمت خيامهم بل وفرضت عليهم غرامات مالية باهظة بزعم قيامهم برعي مواشيهم في منطقة عسكرية مغلقة! ورغم ذلك لم يستسلم بدو النقب بل قبضوا بأيديهم على الجمر وتشبثوا بأرضهم بكل قوة وصلابة.
الذي زاد الطين بِلة هو تزايد وتيرة الشعارات العنصرية التي أطلقها عدد من قادة الاحتلال، وه شعارات تدعو لخوض حملة تطهير عرقي كبيرة لطرد الفلسطينيين من أرضهم، وقد سعت الحكومات الصهيونية المتتابعة منذ النكبة إلى إفراغ منطقة النقب كغيرها من أهلها الفلسطينيين، كما عملت على حرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية وغيرها؛ وليس ببعيد عنا ما تعرضت له قرية العراقيب، التي هدمها الاحتلال عشرات المرات.
الحرب الشرسة التي يخوضها الاحتلال ضد سكان النقب تتلخص في عدة نقاط أهمها
أولا: المخاوف الصهيونية من تزايد الوجود العربي مقابل الوجود الصهيوني المحدود، وقد مارست سلطات الاحتلال عددا من الخطوات في سبيل القضاء على هذا التزايد، أهمها التهجير القسري ومصادرة الأراضي والهدم والحرمان من أبسط مقومات الحياة، وعلى سبيل المثال نستذكر في هذا المقام أن الحكومة الصهيونية في عام 2005 أقرّت ما سُمّي بـ"الخطة القومية الاستراتيجية لتطوير النقب"، والتي تهدف إلى زيادة عدد اليهود في النقب ليصل إلى مليون نسمة، في الوقت الذي لا يزيد عدد العرب عن 200 ألف نسمة، ورغم هذه المحاولات فشل الاحتلال في مخططه وما زالت البلدات العربية محافظة على وجودها رغم كل محاولات التهويد والأسرلة.
ثانياً: لصحراء النقب أهمية استراتيجية، بما تحتويه أرضها من موارد وثروات طبيعية غنية، تتكتم إسرائيل عليها، وتسرقها بشكل مستمر. ولقد برزت أهمية النقب استراتيجيا منذ قيام (إسرائيل)، فأنشأت عليها أرضها أكبر قاعدة نووية في الشرق الأوسط، وهي تسيطر اليوم بالكامل على أراضيها.


إن ما يجري في النقب هي خطة مبرمجة ممنهجة لاجتثاث روح العروبة منها، ومرحلة جديدة في تضييق الخناق على رقبة الفلسطيني الأعزل أينما حل أو ارتحل، لدفعه للتخلي عن أرضه وتركها لقمة سائدة للمستوطنين، في المقابل فإن ردة فعل بدو النقب أثبتت أنهم رقم صعب لا يمكن تجاوزه، فهم واعوان لمخططات الاحتلال، ثابتون في أرضهم وقد ناضلوا بكل قوة وشجاعة لمنع تدمير قراهم وأعادوا بناءها مرات ومرات دون كلل أو ملل، ليمنعوا نكبة جديدة من أن تحل عليهم.
إن المطلوب في ظل هذه القراءة السريعة هو أن تتكاتف الجهود، وتتعاضد القوى، في سبيل منع نكبة جديدة من أن تحل بالشعب الفلسطيني، وعلى المقاومة أن يكون لها كلمة في هذا المقام كما كان لها حين حاول الصهاينة الاستفراد بحي الشيخ جراح في القدس في العام الماضي