مشبوح

لوحة للفنان الفلسطيني محمد قريقع
لوحة للفنان الفلسطيني محمد قريقع

الرسالة نت

قصة : رشا فرحات 

لا يدري فتحي عنان منذ متى وهو معلق بهذه الماسورة المثبتة في سقف الغرفة، كلما غالبه النوم تعباً سكب أحد المحققين على وجهه دلواً بارداً يرده إلى حياة لا يريدها.

بالأمس أدار أحدهم جسده نحو القبلة وطلب منه ساخراً أن يصلي ركعتين، وضحكوا جميعا وتهامسوا على قذارة ثيابه ونجاسة مظهره، ورائحته النتنة، فهنا لا مجال لاستشارتك عن الوقت الذي تريد أن تقضي فيه حاجتك، ومن الطبيعي جداً أن تتلطخ ملابسك بالبول والبراز الذي يتساقط أسفل منك خلال جلسات التحقيق المتعاقبة، وتعتاد أنت.

فبين عدد اللكمات والأوجاع التي تفترس عقلك، سيصبح من غير المنطقي التفكير بمعنى الكرامة المهدورة في تساقط برازك وبولك من بين أرجلك أمام المتفرجين، بل ومن غير المنطقي أن تفكر على استحياء متى وكيف حدث ذلك، فأنت مكشوف على أية حال، في كل لحظة هنا، فما الداعي لأن تواري سوءة بولك أو برازك عن الأعين.

 

معلقاً كنت أو مرمياً على الأرض، لا يهم، وسينتهي الموضوع بضحكات المحققين ثم تتلقى دلوا آخر ساخنا مخلوطا بنوع رديء من المطهرات الحارقة، يرشقه أحدهم في وجهك يجرف ما أسقطه جسدك من فضلات، ويخرج بها من الباب.

 

يخاطب فتحي نفسه كل دقيقة، إلى أي درجة يخاف هؤلاء من القلم وأصحابه؟! ويتأمل ما يحدث رغم الطنين الناتج عن كثرة الضرب وقلة النوم الذي يشوش عليه التفكير والرؤية وحتى سماع كلمات المحققين بشكل واضح.

 

ويتذكر المرة الأولى التي رفض فيها أوامر مديره في العمل بإغلاق مدونته الناقمة على الحكومة، والتي سبقها بتحذيرات وزيارات وهدايا، قبل أن تقلب إلى تهديد ووعيد ثم إلى تنفيذ صارم!

لم يعطوه فرصة أطول على كل حال!

 

في غرفة التحقيق يعود المرء فينا وليداً، يبكي بحرقة ويجعر ليلاً من فرط الألم، وينادي بأعلى صوته على أمه بكل لغات الدنيا، ويتمنى عودة حميدة إلى بطنها تلغي كل هذه الكوابيس، هذا ما كان يدور في خلد فتحي منذ شبح على هذه الصورة.

 

لقد كاد يغفو بين أفكاره المتقطعة حينما دخل أربعة إلى الغرفة فجأة، وطلب المحقق الجالس مسبقا في الزاوية منهم أن ينزلوه، النزول هنا أصعب، فيداك المعلقتان إلى السماء منذ أيام، ستسقطان أخيراً دون سيطرة، فتكشفان الوجع الذي تسببه تقرحات الإبطين، والدم النازف منذ ليال، والأكتاف سترتخي فيظهر وجع عظام القفصين جراء ارتخائها، أما القلب، فهو قصة أخرى.

 

تسقط يداه، فيسقط جسده أرضاً، ويتمدد لا يقوى على التلوي، بينما برودة الأرض تسري في جسده، فيستشعر بعضاً من لذة فقدها منذ أيام، قبل أن يرشه أحدهم بمطهر ذي رائحة نفاثة فيحترق جسده من جديد، بينما يجره الأربعة من حيث لا يفكرون، ويجرون معهم خيطا من الآلام المتفرقة في أنحاء جسده الذي بدى غريبا بعيدا عن الروح.

 

يدخل إلى الغرفة المجاورة، حيث الطبيب المرتجف ذاته ينتظره كما العادة، يراه كل ثلاثة أيام، يفتح فمه، يلقي نظرة على مؤخرته، يتحسس بطنه وينقب عن كسور في صدره وقدميه، قبل أن يقول كلمته الاعتيادية " تمام" فتعطي هذه الكلمة إشارة أخرى للعودة إلى الماسورة الحديدية، واستئناف الشبح مجددا للبدء في جولة أخرى.

 

لا يعرف فتحي أيا من المتناوبين على ضربه، كل ما يعرفه هو أنه وبجرة قلم اختلط عليه كل شيء، وبدأ الشك يتسلل إلى عقله، فلأجل كلمة يحدث كل هذا، ولأجل كلمة يمكن أن يموت أحدهم موتة كهذه ؟!

منذ عرف طريق التدوين والبحث عن المعلومة لأجل ذلك، بدأت التساؤلات حوله، وبدأت الحقائق تتكشف، بل تأتيه كل صباح في قائمة الرسائل، بأدلة دامغة، من أصحاب المظالم، أولئك الذين يخافون الكلام، حتى اللحظة الأخيرة، فتكون أنت كبش فداء للجبناء ومدافع عن حقوقهم التي يخافون الدفاع عنها، أي سخرية هذه ؟!!!

 

وفي هذه المدينة الصغيرة التي يدعي فيها الجميع وطينته، ومظلوميته، ثم هم ذاتهم من يسلطون أصابع الاتهام نحوك، وها أنت الآن، بين يدين، وقدمين، وقلوب كثيرة لا ترحم .

 

و في ليلة كادت تكون الأخيرة، حيث جسد فتحي المعلق يتقاطر دما وبولا وعرقا، يتسلل أحد الجنود الأربعة، دون أن يشعل الضوء، يبقي الغرفة على ظلمتها، يراقب الطريق، يضع في فم فتحي لقمة مدهونة بالمربى، طعمه لم يكن غريبا، استشعر أنه تذوقه كثيرا من قبل، أجل على تلك الطبلية في بيت خالته أم حاتم، وبين يدي صديق العمر، هو ذاته الذي كان يجر الجسد، ويعلقه مثل نعجة على تلك الماسورة الصدئة، وهو ذاته الذي كشف أمامه أرقاما وبيانات جعلته يكتب أكثر وأكثر، هو ذاته الذي ينهي الحكاية الآن، أوجاعه تساعده على تشرب الصدمة ! وربما تركت ندوبا تذكره بكل لحظة بأن مرشد الأمس يشبحه اليوم، ثم يضع في فمه لقمة حلوة المذاق، خلسة، أي جنون هذا ؟!!!

خرج الملثم، دون كلمات، أقفل الباب وعادت الظلمة، وتشاغل فتحي عن أوجاعه بآثار لقمة المربى على لسانه، وحتى اللحظة الآخيرة يحاول أن يصدق كلمات أمه" ابحث للجميع عن عذر مقبول، فقط لترتاح روحك"

 

الحقيقة قاتلة، لكنها الحقيقة على أية حال، ورفيق الدرب، رفيق التجاوزات الكثيرة، تجاوز حده أكثر هذه المرة، وصفعه صفعة قاتلة، ثم أتى ليلقمه لقمة الرحمة الأخيرة.

صرخ بأعلى صوته، بسم الوطن والحزبية والرفيق الواقف خلف الباب "اتركوني أموت على فراشي"

أجل، لا يمكنه أن يتمنى أكثر، موتة على سرير دافئ، بينما يداه تحتضنان كفي أمه، وبجسد نظيف، لا تغطيه أي بقع لدماء جافه، ولا تفسخات في الإبطين أو الفخذيين وبدون دموع على الخدين وبملامح ساكنة، وبشرة نظيفة، وجسد طاهر، وعينين صافيتين، بكل رتابة الموت واعتياديته، وجماله!

بدون خيانة صديق !