هل فشل الاحتلال في إقناع العالم بروايته المفبركة عن اغتيال "أبو عاقلة"؟

شيرين ابو عاقلة
شيرين ابو عاقلة

محمود فودة- الرسالة نت

منذ اللحظة الأولى لسقوط شيرين أبو عاقلة على الأرض مصابةً برصاصة (إسرائيلية)، سابق الاحتلال الوقت من أجل إثبات رواية كاذبة، تنفي مسؤوليته عن الاغتيال، وتحمل الفلسطينيين تبعات ذلك.

ففي البداية، ادعى الاحتلال (الإسرائيلي) أن مسلحين فلسطينيين هم من أطلقوا النار على شيرين، ثم قال إنه لا يمكن الجزم بمسؤولية أي طرف عن اغتيالها، وفي نهاية اليوم قال تحقيق لجيش الاحتلال نقلته "هآرتس" العبرية، إن الرصاص الذي كان في اتجاه شيرين مصدره القوة الخاصة (الإسرائيلية).

العالم كله يعلم جيدًا أن ما جرى تتحمل مسؤوليته (إسرائيل) وحدها، في حين تؤكد دول ذلك علانيةً، وأخرى من تحت الطاولة، حرجًا من الاحتلال، ولكن المحصلة كانت صورة مهزوزة للاحتلال في دفاعه عن جريمة موثقة بالصوت والصورة.

فالتراجع (الإسرائيلي) عن الرواية أضعف موقفه، وأجبر القوى الدولية والحقوقية إلى إعلاء صوت الرفض للجريمة، بما أوصل الحالة إلى مرحلة لا يمكن التراجع عنها، والمتمثلة في المسؤولية (الإسرائيلية) عن الجريمة.

وقبل أن تحاول (إسرائيل) إقناع العالم براويتها، فإنها فشلت في إقناع جزء منه بذلك، وهذا ما أظهره التحقيق الميداني الذي أجرته منظمة "بيتسيلم" الحقوقية (الإسرائيلية) التي أكدت أن شيرين أصيبت برصاص مصدره (إسرائيلي) وليس مسلحين، وذلك وفقا للصور الجوية، والمتابعة الميدانية لما جرى في ذلك الحين.

وفي التعقيب على ذلك، قال أنس الجرجاوي، مسؤول العمليات في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إنه من المبكر القول إنّ (إسرائيل) قد فشلت في إقناع العالم بروايتها حول مقتل الصحافية "شيرين أبو عاقلة".

وأضاف الجرجاوي في حديث لـ"الرسالة" أنه يمكن القول إنّ رواية (إسرائيل) لم تكن مقنعة كثيرًا للجمهور الغربي الذي بدأ بمراجعة الصورة النمطية الموجودة لديه منذ عشرات السنوات عن جيش الاحتلال (الإسرائيلي)، والتزامه الأخلاقي العالي في عدم استهداف المدنيين.

وأشار إلى أن زيادة الوعي لدى الجمهور بحقيقة الانتهاكات التي يرتكبها جيش الاحتلال (الإسرائيلي) مهم، ولكنّ الأهم في هذه المرحلة هو أن تتخذ القوى الفاعلة ولا سيما الاتحاد الأوروبي موقفًا واضحًا في إدانة (إسرائيل) على خلفية واقعة القتل، والابتعاد عن المواقف الاعتيادية في تعويم المسؤولية وتجنب تحميل (إسرائيل) مسؤولية أفعالها الشائنة.

وعبر عن أمله أن تمثّل واقعة قتل الصحافية "شيرين أبو عاقلة" صدمة لإفاقة ضمير تلك الدول، ودافعًا لها لمغادرة مربّع الإدانات الخجولة، في حين أنه لا يجب أن تنتظر تلك الدول تحقيقًا إسرائيليًا في الواقعة، لأنّ جيش الاحتلال (الإسرائيلي) أثبت في عدة وقائع سابقة مشابهة انحرافه التام عن العدالة، وتجاهلَ إدانة أي من جنوده وقادته، رغم عدة تحقيقات أممية وأخرى صادرة عن مؤسسات حقوقية دولية أكّدت مسؤوليته عن تلك الوقائع.

وختم بقوله: "نستطيع أن نقول أنّ (إسرائيل) فشلت في إقناع العالم بروايتها عندما نرى إجراءات فعلية من المجتمع الدولي لمحاسبة (إسرائيل) على هذه الواقعة الخطيرة، وعن انتهاكات حقوق الإنسان الواسعة التي ترتكبها يوميًا القوات الإسرائيلية في جميع الأراضي الفلسطينية".

من جهتها، قال الباحث المختص في الشؤون الأوروبية والدولية حسام شاكر إن ما جرى في نظر العالم يمثل جريمة حرب واضحة بمعنى استهداف الصحفيين خلال مزاولتهم المهنة يعتبر خطا أحمر لدى العالم كله.

وأضاف شاكر في حديث لـ"الرسالة" أنه بالنسبة للاحتلال فهو أخطأ في الاقناع بانه ليس له صلة بالجريمة، إلا أن الشريط المصور من أكثر من كاميرا أظهر بشاعة الاعتداء على الطواقم الصحفية ما أودى بحياة الإعلامية شيرين وأصاب زميلها علي السمودي.

وأشار إلى أن الاحتلال يحاول التلاعب بالواقعة كما كان متوقعا حتى قدم الرواية التي يسعى من خلالها للتخفيف من مسؤوليته عما جرى؛ إلا أنه ليس مقنعا لأي فاحص أو ناظر في عالمنا، إذ أن التصوير الحي، والتحقيقات الميدانية لبيتسيلم وغيرها بينت أن جنود الاحتلال هم الذين أطلقوا الرصاص.

وبين أن الاحتلال ليس لديه خيار واسع للتضليل، فالصورة حاضرة وإلا لكان بوسعه اختلاق الذرائع وفبركة رواية تضليلية، فلطالما حمّل الاحتلال الضحايا المسؤولية عن قتلهم، بدعوى تشكيل خطر على القوات العسكرية، برغم أن من ضمنهم فتيات وأمهات وصبية وطلاب مدارس.

وأشار إلى أن ما جرى ينبغي أن يكون محفزا لفتح ملفات الإعدام الميداني في قضايا غابت عنها الكاميرات فهذه الواقعة محطة لها ما بعدها في كشف جرائم الاحتلال وتحفيز المساءلة الدولية، حيث تأتي بعد تدمير بناية الجلاء التي ضمت مكاتب صحافة في حرب غزة قبل عام، ولا يزال الحدث في ذاكرة العالم بمعنى أن للاحتلال أسبقيات في الاستهداف المقصود للصحافة.

وبيّن أن الاحتلال تورط في هذه القضية باستهدافه صحفية مرموقة تعمل في شبكة لها وزن في صناعة الإعلام ما يشير إلى صعوبة تجاوز الحدث الذي حظي باهتمام سياسي وإعلامي واسع.