ماذا لو تستجيب السلطة لدعوة هنية؟

سامي الشاعر

في أجواء مليئة بالحزن في كل شارع وزقاق وقرية ومدينة فلسطينية، في الضفة الغربية والقدس والداخل الفلسطيني المحتل وفلسطينيي الشتات بل قل الأرض كلها أجمع دولنا العربية والإسلامية وأحرار العالم جراء اغتيال قوات الاحتلال الصهيوني الصحفية الفلسطينية بنت القدس شيرين أبو عاقلة. 

وتزامن ذلك مع أحداث جنين  حيي اقتحمت قوة صهيونية غاشمة محيط منزل المقاوم الفلسطيني محمود الدبعي واعتقاله بعد اشتباك دام خمس ساعات خضرة قوة اليمام ( الإسرائيلية) ضابطا كبيرا قتيلا برصاص المقاومة الفلسطينية وقد أعلن الاحتلال وفاته وهو نوعم راز  ٤٧ عاما أثنى عليه رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت، وسط تلك الأحداث المؤلمة و المفرحة من جانب آخر وجه رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية دعوة لرئيس السلطة محمود عباس حثه فيها على الإعلان عن إنهاء العمل باتفاق أوسلو وعدم الالتزام به، ووقف التنسيق الأمني، و سحب الاعتراف بالاحتلال و الاجتماع على برنامج وطني على أساس المواجهة الشاملة، و اعتبر القائد هنية في رسالته أن المرحلة مهمة واستراتيجية تمر بها القضية الفلسطينية وتستوجب من الكل الفلسطيني اتخاذ مواقف جريئة، تقوم بنيتها على المقاومة ومواجهة الاحتلال انتصارا للدم الفلسطيني. والسؤال هنا استشرافي ومأمول حول ماذا لو استجابت السلطة لدعوة هنية وانخرطت مع الشعب في برنامج وطني يقوم على ما سبق ذكره؟

-         إن استجابة السلطة لبرنامج وطني شامل يعني وقف سياسة التنسيق الأمني وضرب بعرض الحائط للاشتراطات الأمريكية والصهيونية المتعلقة باتفاق أوسلو المطلوبة من السلطة.

-         أيضا لم الشمل الوطني الفلسطيني وخط برنامج تحرريا ينهي وجود هذا الاحتلال لأنه السبب المباشر والرئيس لكل أحزان شعبنا.

-         إمكانية البحث الجاد حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وإعادة بنائه على أسس فلسطينية بامتياز.

-         سيكون شعبنا في الداخل والشتات أمام فرصة تشكل قيادة فلسطينية تواجه صلف العدو وتغوله في الدم الفلسطيني.

-         من المسلم به أن تنتهي أشكال تقييد الحريات العامة والسياسية، وإغلاق ملف الاعتقال السياسي، وتحجيم مساحة عمل التنسيق الأمني المتعلق بالمعلومات الخاصة بالمقاومين.

أمام هذه الصورة الوردية التي يجد القارئ صعوبة في تحقيقها واستحالة في استجابة السلطة ورئيسها محمود عباس لها، يمكن التساؤل في هذا السياق لماذا لا تستجيب السلطة لدعوة هنية؟

-         تجد السلطة نفسها غير مهتمة بدعوة هنية للتخلي عن أوسلو لأن في ذلك اعتقادا منها انهيار مشروع السلطة الذي جاء بناءً على إعلان المبادئ من اتفاق أوسلو والذي نص على إقامة سلطة حكم ذاتي وتأسيس شرطة فلسطينية، وإجراء انتخابات لمجلس تشريعي.

والناظر في ظاهر الأمر سيجد أنه معقول عدم الاستجابة ولكن في حقيقتها وجوهرها فإن التعلل بهذا الأمر خشية خسارة السلطة ونظامها غير جاد إذ أنه لا قيمة للسلطة أمام شلال الدم الفلسطيني وهذا اعتبار عام، أضف إلى ذلك أن تجربة حركة حماس أسقطت هذه المخاوف التي تخشاها فتح والسلطة فقد بقيت حماس في يدها السلطة والحكومة ولم تخضع لشروط الرباعية أو أن تلتزم باتفاق أوسلو وقد دافعت وفصائل المقاومة جنبا إلى جنب عن شعبنا في عدوانات صهيونية عدة، حتى بات العالم اليوم يقر بوجودها وسلطتها أمرا واقعا.

-         الأمر الآخر إن إعلان رئيس السلطة محمود عباس في بيان عام للشعب وأمام العالم بوقف وإنهاء العمل باتفاق أوسلو وكل ما يتضمنه، سيدفع بالشعب الفلسطيني كله أن يكون سدا منيعا وحاميا من عدوان الاحتلال ضد السلطة ورموزها.

-         كما أن دعوة القائد هنية مسؤولة فإن ترجمة استجابة السلطة لإعلان برنامج وطني مع قوى شعبنا وفصائله سيجعل حماس وجناحها العسكري في موقف المدافع عن السلطة وسيمنع تغول الاحتلال عليها وأن ما تعرض له الرئيس الراحل ياسر عرفات لن يتكرر.

-         أيضا السلطة لن تستجيب خشية فقدانها الزعامة و السلطة من يدها باعتبار حماس اليوم أكثر شعبية في الشارع الفلسطيني و أن كل الساحات باتت تهتم باسمها و أسماء قادتها السياسيين و العسكريين، وهذا تخوف غير دقيق ولا يتصل بالواقع بصلة صحيح أن حماس صعدت مؤشرات تأييدها في الشارع الفلسطيني و أنها أصبحت تشكل أملا للشعب كله نحو التحرير غير أنها قطعت فصلت قول كل خطيب في هذا الإطار في أنها تؤيد وتدعم قيادة فلسطينية مشتركة و إجماع وطني، ودلائل ذلك وشواهده كثيرة منها دعوة رئيس مكتبها السابق خالد مشعل في أكثر من مناسبة لرئيس السلطة محمود عباس للوحدة والقيادة المشتركة، أيضا اتفاقات المصالحة و قبولها بنظام النسبي الكامل في الانتخابات التي ألغيت مؤخرا، و أكبر من ذلك دعوتها لتشكيل الإطار القيادي المؤقت لأنظمة التحرير و الذي تم الاتفاق عليه في اجتماع بيروت ٢٠٢٠م، إضافة إلى صورة العمل الفصائل المشترك في غزة من هيئات وطنية، و غرفة العمليات المشتركة.

-         قد يكون مانع السلطة للاستجابة لدعوة هنية خشية رموز السلطة على أنفسهم من غضب الشعب و فتح باب التشفي و الانتقام ممن تسبب في اعتقال المقاومين أو اغتيالهم، وهذا التخوف غير منطقي و لا واقعي إذ أن حماس لما فازت في انتخابات المجلس التشريعي عام ٢٠٠٦م واكلت حكومة منفردة بعد رفض الكتل البرلمان ومنها فتح الانضمام لها أعلنت قبولها العمل الوطني المشترك مع الجميع وتعامل قادة حماس وعناصرها مع من كان يوما سجانهم ولم يضرها ذلك في شيء، و ذهبت إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عام ٢٠٠٦ العاشرة وكان نائب الحكومة من حركة فتح.

إذا ما الذي يمنع السلطة الاستجابة لدعوة هنية وقضية فلسطين تمر اليوم بمنعطف خطير وتهديد حقيقي حيث حكومة بينيت تسارع الخطى في بناء المستوطنات في الضفة والأغوار وتزيد من معدل هدم البيوت في القدس، وارتفعت وتيرة الإعدامات الميدانية بحق المواطنين الفلسطينيين ولم تعد الضفة الغربية التي تقدم نموذج السلام مع الاحتلال أرضا آمنة لشعبنا.

و نذكر هنا أن موقف شعبنا الفلسطيني كان أقوى أمام المجتمع الدولي و درجة إحراج المنظومة الدولية الداعمة للكيان الصهيوني ممثلة بالإدارات الأمريكية المتعاقبة كان شعبنا أقوى عندما اصطف الكل الفلسطيني في وجه مخططات الاحتلال و من بينها السلطة وفتح المؤيدة لمحمود عباس و شواهد ذلك محاولة إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب تمرير وفرض صفقة القرن و إعلان القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، أيضا عندما حاول الاحتلال و أمريكا وصم حماس بالإرهاب داخل المؤسسة الأممية، و محاولات الاحتلال فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى و إن ظهر موقفا خجولا للسلطة غير أنها في ظاهر الأمر لا توافق على تحقيق الاحتلال التقسيم، و اليوم شكل دم الصحفية شيرين أبو عاقلة فرصة وحدة وطنية فلسطينية وعملا مشتركا للمكون  الوطني الفصائلي الفلسطيني، و أمام ذلك وبناءً على تلك الدعوة اعتقد أن رئيس السلطة محمود عباس و حركة فتح إلى جانبه مدعوة اليوم للإسراع إلى الانحياز للتوجه الوطني العام وهو وقف العمل بأسلوب وعدم الاعتراف بالاحتلال ووقف وإنهاء وتجريم التنسيق الأمني  كما عليها أن تستغل الأجواء العامة لشعبنا وموجة غضبه الصاعدة نحو الاحتلال لدعوة الفصائل للاجتماع  والإعلان عن تشكيل حكومة وطنية و توحيد النظام الإداري للسلطة بين غزة والضفة و إشراك فلسطينيي الشتات في القيادة الوطنية الموحدة الجديدة والحكومة و الإعداد و إغلاق ملف الاعتقال السياسي و رفع اليد و القيد عن الحريات العامة و العمل الكفاحي المسلح، وهي لحظة تاريخية تنبه لها الرئيس أبو عمار عام ٢٠٠٠م عندما تأكد له بعد كل ما قدمه من تجاوب مع الإدارة الأمريكية تجاه اشتراطات (إسرائيل) الأمنية بات مؤمنا أن طريق التفاوض بلغ مداه ووصل إلى طريق مسدود وليس هناك مخرج سوى الشعب و إعلان ثورته من جديد و الاستجابة للمطالب الوطنية وكانت انتفاضة الأقصى التي دحرت المحتل عن غزة وأجزاء من الضفة الغربية ولولا عودة التنسيق الأمني ما تمكن الجيش الصهيوني من دخول الضفة اليوم.

وهذه فرصة جديدة للسلطة وقياداتها أن تلتقطها وشعبنا تواق لتلك اللحظة التي تعلن فيها فتح العودة للكفاح المسلح والانفكاك عن أوسلو وتوابعه. فهل من صوت من السلطة اليوم مجيب؟