حارس المخيم أمجد الفايد: الصبي الشهيد الذي ولد رجلاً

الشهيد أمجد الفايد
الشهيد أمجد الفايد

رشا فرحات- الرسالة نت

وكأن أطفال جنين غيروا المفاهيم المتوارثة للمراحل العمرية!! فلا يمرون بطفولة ولا صبا ويضحكون حينما يسمعون كلمة "مراهقة" هكذا هم، فوراً ودون مقدمات، يولدون رجالاً لتأدية مهمة واحدة، يقضونها سريعاً، ثم يرحلون!!

هذا الجميل اسمه أمجد الفايد (17 عاما)، هو، كالعادة، من جنين. حاصره الاحتلال ليلة كاملة! ثم قتله بإحدى عشرة رصاصة، في البداية أصابته رصاصة واحدة، ولتأكيد القتل، تعمد الاحتلال اتباعها بعشر رصاصات أخريات، فتحول الجسد الهزيل إلى غربال من دم. 

أمجد الفايد هو حارس المخيم الليلي، يتناوب الحراسة مع زملاء له، لتظل بوابة المخيم محصنة حتى لو ضحوا بحياتهم.

تصدى مع رفيقه المناوب تلك الليلة لقوات الاحتلال التي اقتحمت جنين كما تفعل منذ أشهر، بالجنود والدبابات والرصاص الحي. تصدى الفتية للمحتلين بصدورهم وبزجاجات حارقة وحجارة الشارع. وما إن بزغ الفجر حتى كانت جنين تشيع جثمان الصبي أمجد منطلقة من مستشفى ابن سينا، ثم إلى المخيم ليوارى الثرى في مقبرته.

أمجد ليس الأول، هناك أمجد آخر قبل عشرين عاماً، في نفس البقعة.. تخرَّق جسده بنفس الطريقة في مواجهة اقتحامات الاحتلال، إنه عمه أمجد، الذي استشهد قبل ولادته فحمل الصغير الاسم إكراما للكبير، واليوم رحل الاسمان ليعطيا المجال لولادة جديدة في المخيم الذي لا يمل ولا يُهزم.  

الشهيد أمجد الفايد هو ابن شقيق الشهيدين أمجد ومحمد الفايد، اللذين ارتقيا برصاص الاحتلال في عملية أبطال الكمين قبل عشرين عاماً في معركة مخيم جنين في أبريل الشهير من عام 2000 في أزقة المخيم الذي شهد مقتل 13 جندياً وإصابة 15 آخرين.

لا يزال أهل المخيم يذكرون هذه العملية البطولية حتى اللحظة، فبعد أن أخذ المجاهدون يبحثون عن جنود صهاينة من مكان لآخر تمكن الأخوان الشهيدان المجاهدان من كتائب القسام محمد وأمجد الفايد ومعهم الشهيد نضال النوباني من شهداء الأقصى من رصد عدد من الجنود الصهاينة في حارة الحواشين، فقتلوهم قبل أن تطالهم رصاصات الاحتلال.

والد أمجد الصغير بدى متماسكا أمام عدسات الكاميرا وهو يقول: "قلت لهم لا تخفوا عني الخبر، أنا أعرف أن ابني يتمنى الشهادة، نزلت المستشفى الحكومي ووجدت جسداً مخرماً مليئاً بالدم، الإصابة كانت في قدميه بداية، وحينما حاول الهرب صفوه عن قصد، وأنا أعلم أن دم ابني غالي، ولن تمر القصة بسلام".

"المقاومة هي وسيلتنا الوحيدة، والمخيم ثابت من سنوات طوال، على نهج المقاومة، وكما فعل رعد وضياء المسيرة مستمرة، ولن نهدأ"، يتابع الأب بعزة.

ومن جنين، يرى المحلل السياسي، عدنان الصباح، في مقابلة مع الرسالة، أن الاقتحامات اليومية ستستمر على المخيم كل ليلة لأن رئيس وزراء الاحتلال، بينيت، الذي خرج من "معركة سيف القدس" العام الماضي مهزوماً منكسراً أمام جماهيره، سيظل هكذا يخترع محاولات تلو الأخرى لتبييض صفحته أمام نتنياهو، الذي يترصد له.

وهكذا، يتابع الصباح، سيقتحم الجنود المخيم كل ليلة ويقتلون أبطاله فرادى، معتقدين أنهم يقللون عدد المقاومين، لكن ما هي إلا محاولات لتحقيق نصر إعلامي غير حقيقي، فهو حتما لا يريد أن يتصاعد الأمر حتى يصل لمعركة شرسة كتلك التي خاضها أبطال المخيم في 2002.

رحل بالأمس الطفل الفايد، كما رحل عماه أمجد ومحمد قبل عشرين عاماً، وسيرحل في الغد الكثيرون غيرهم، لكن المخيم ولّاد كعادته، فلو كانت تلك المحاولات اليومية قاتلة بالفعل؛ لشيّع الأبطالُ المخيمَ منذ سنوات طوال، لكن الأبطال يستشهدون، وأحفادهم يكبرون، ليبقى المخيم إلى الأبد.