في رسالة مؤثرة من خلف القضبان

القيادي االأسير جمال أبو الهيجا يزف ابنته إلى عش الزوجية

الأسير جمال أبو الهيجا
الأسير جمال أبو الهيجا

الضفة- الرسالة نت

بكلمات كتبت بمداد الدمع ونزف الأيام الطويلة خلف قضبان السجون، وبنار شوق المحبين المشتاقين لأحبتهم وأهليهم،  يزفّ القيادي جمال أبو الهيجا ابن جنين ومخيمها الصامد، ابنته ساجدة عروسا إلى عش الزوجية.

سنوات طويلة طويت داخل الأسر، وبعد قرابة الـ20 عاما من غياهب السجون، ترك جمال أبو الهيجا طفلته الصغيرة وكله أمل أن يلتقي بها يوما ما خارج السجن والأمل ما زال معقودا.

وكتب القيادي جمال أبو الهيجا رسالة يزف بها ابنته التي ستدخل عش الزوجية في 19 من الشهر الجاري، قائلا: 

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته:

رساله من خلف الأسوار والقضبان من عزل سجن هداريم خرجت من قلب الشيخ الأسير الجريح المجاهد والد الشهيد حمزه أبو الهيجاء، ووالد الأسرى وزوج الأسيرة المحررة الصابرة المحتسبة لوجه الله خنساء فلسطين، لابنته ساجدة أبو الهيجاء قبيل عرسها أن شاء الله.

 إلى ساجدة في ربع قرن

الحمد لله الذي قبل منا أعمارنا نقدمها وراء القضبان، ليحيا شعبنا حرا عزيزا في وطن لا سجن فيه ولا سجان. والصلاة والسلام على المصطفى العدنان وبعد،

إيه يا ساجدة !! إيه يا بنت أبيك، إيه يا أخت الرجال. ها قد كبرت وصرت عروسا، وقدر الله أن أخاطبك في هذا اليوم عبر الأثير، حيث تحرمين ضمة أبيك وأنت تودعين داره، داره التي لم يحتضنك فيها إلا بضع سنين. ترى هل كنت أحسب أني سأخاطبك في هذا اليوم المنتظر من وراء القضبان؟ بل كيف لا أحسب ذلك، وأنت التي ولدت عام ستة وتسعين وأنا خلف قضبان الجار والقريب الذي منّوه يومها بالدولة والاستقلال مقابل أن يكون جرح جاره وأخيه هو الثمن، فلم يأت الوطن الموعود وبقي الجرح الغائر، وما زال.

كيف لا أتوقع هذا المشهد وقد أتت عليك فترة من الزمن لم يكن فيه في بيتنا إلاك، وأنت الأصغر، فكنت الأب والأم والأسرة في لحظة واحدة، وما زلت أذكر تلك الزيارة التي زرتنيها وأنا في العزل، وقد زرت قبلها بيوم سجن ريمون، وقبله بيوم كنت تزورين في مجدو، في ثلاثة أيام متواصلة قضيتها في باصات الزيارة تنتقلين من سجن إلى سجن تزورين الأسرة السجينة.. فكيف لا يكون لمثلك هذا العرس المغمس بعبق القيد والأغلال، وأنت التي تعرف جيدا معنى الأغلال.

كبرت يا ساجدة، كبرت يا ابنتي بأسرع مما أظن.. قالوا لي أنهت الثانوية العامة بتفوق، فقلت أدركها في تخرج الجامعة، ومرت السنوات، وكان التخرج، ثم كان الماجستير بعدها، ولا لقاء، والحمد لله أولا وآخرا.. لكن اليوم مختلف. اليوم يا ساجدة له طعم آخر. ومع ذلك فما زال الأمل مزروعا في قلوبنا وحسن الظن بالله لم يغادرها أبدا. 

وقد حان الآن يا ساجدة أن أجيبك على سؤال عينيك الحائرتين، وأنت تزورونني صغيرة وراء القضبان، فكانت تسألني عيناك: لم يا أبي كل هذا الفراق، وكل هذا الغياب؟

الآن أقول لك: هذا من أجلك يا ابنتي، ومن أجل كل الصبايا والشباب.. نرضى الأسر اليوم، كي نورثكم غدا وطنا حرا بلا أسر ولا قيود. ونرتضي الخوف والحرمان اليوم، كي تعيشوا غدا بأمان، حيث لا احتلال ولا عدوان. هذا من أجلك يا ابنتي. 

فعندما ستحكين لأطفالك غدا قبل النوم حكاية التحرير ستقولين لهم: ارفعوا رؤوسكم في السحاب، فإن الوطن الحر العزيز الذي تنعمون بظلاله، دفع أجدادكم وأخوالكم أعمارهم في سبيل الله ليطردوا المحتل عن ثراه. 

وغدا عندما تذهبين بهم إلى المسجد الأقصى ستقولين لهم تحت قبة صخرته: بالأمس كان المحتلون يهاجمون المصلين العزل هنا، فثار عليهم أجدادكم وأخوالكم وأعمامكم حتى طردوهم منه، وخلصوه من رجسهم، فهو اليوم حر عزيز طاهر، فصلّوا الآن فيه بأمان. 

وأخيرا فيا بنت الأسرى، ويا أخت الشهيد، بارك الله لك وعليك وجمع بينك وزوجك في خير. وإلى اللقاء القريب بإذن الله أحرارا أعزاء في وطننا الحر العزيز.