الزجل الشعبي أحد أركان هوية فلسطين.. يوسف حسون نموذجا

الرسالة نت - وكالات

يعتبر الزجل الشعبي الفلسطيني أحد أركان التراث الشعبي والهوية الوطنية الفلسطينية؛ وهو شكل تقليدي للشعر العربي باللغة المحكية؛ يتم إنشاده ارتجاليا، وعادة ما يكون على شكل مناظرة بين عدد من الزجالين؛ وهم شعراء ارتجال الزجل؛ مصحوباً بإيقاع لحني بمساعدة بعض الآلات الموسيقية؛ وينتشر الزجل بشكل كبير في شمال فلسطين ولبنان وشمال الأردن وغرب سوريا وخاصة  في مدن وقرى الساحل السوري؛ وفي هذا السياق نستحضر شاعراً فلسطينياً زجالاً؛ وهو الراحل يوسف حسون؛ وقد عجت فلسطين بعدد كبير من الشعراء الزجالين؛ الذين رسخوا هويتهم وانتماءهم الوطني من خلال مبارزة شعرية شعبية ومحكية دون تلعثم للغور في أعماق التاريخ والحضارة في فلسطين .

الزجل والأرض والهوية  
 
شأنها شأن لبنان وسوريا؛ زخرت فلسطين قبل نكبة عام 19487 بالزجل الشعبي والعتابا، وقد اختار الكاتب والفيلسوف العربي الراحل جبران خليل جبران تعريفا للزجل الشعبي؛ فقال إنه "باقة من الرياحين قرب رابية من الحطب"، إنه أدب فلسطين وتراثها، انتمت إليه في السعة والسراء واحتمت فيه بأزمنة القهر والضراء؛ كما يصفه المؤرخ حنا الفاخوري بأنه "قول غير فصيح ينبض من عمق حياة الإنسان"، فهو النغمة السحرية التي تتصاعد من النفوس وتعبر عنها الشفاه؛ وبهذا يعتبر الزجل في تاريخ فلسطين وحاضرها كمصفوفة حجارة لوحة فسيفسائية عتيقة هائلة ملونة، تنوعت نظمه ومسمياته وأغراضه، لتعكس جمالا نادرا، يمتد من غور النهر إلى شاطئ البحر؛ وسطع نجم عدد كبير من شعراء الزجل الفلسطيني؛ الذين تفننوا في أدائها. 

ومن أبرزهم الشاعر يوسف حسون، الذي طوّر قوافيها المركّبة، وابتكر طرقاً مختلفة في غنائها؛ حتى يبقى عبق الوطن ورائحة إزهاره منتشرة ومستمرة ؛كدالة كبرى على سيرورة وصيرورة الهوية الوطنية الفلسطينية العصية على محاولات الطمس والتغييب الإسرائيلية .

يوسف حسون أيقونة زجلية

ولد يوسف حسون في قرية شعب قضاء مدينة عكا في الساحل الفلسطيني الجميل خلال عام 1928؛ وقد برزت موهبته في ريعان الشباب,حيث تحاور وتزاجل مع أحد اقوى الشعراء في ذلك الحين؛ أبو سعيد الحطيني من قرية حطين قضاء طبريا الذي شهد له بالكفاءة وتنبأ له بمستقبل وازن في الشعر الشعبي، بل وأطلق عليه اسم "شاعر الشاغور" نسبة إلى حي الشاغور في وسط العاصمة دمشق؛ والذي اشتهر بمثل هذا اللون الشعبي من الغناء؛ وإثر نكبة 48 لجأ يوسف حسون الى لبنان؛ وهناك بدأت سيرته وارتبط بالوطن والهوية أكثر رغم مرارة الطرد والبعد عن ملتقى الطفولة في قرية شعب في قضاء مدينة عكا. 

وخاض يوسف حسون في جميع ميادين الشعر الشعبي؛ من زجل وشروقي ومعنى وعتابا؛ وكتب العديد من الأغاني لكبارالمطربين في ذلك الوقت مثل سميرة توفيق وفهد بلان ونصري شمس الدين وصباح وغيرهم؛ كما أنه كان من أوائل من عملوا في صوت فلسطين "صوت الثورة الفلسطينية"، الذي كان يبث من الدول العربية؛ وذلك من خلال تمثيليات إذاعية "أبو عودة" و"فلاحين بلادنا؛ وبلغ مجموعها ما يزيد عن 65 حلقة؛ وقد سجلت هذه الحلقات تاريخا حافلا لمقاومة الشعب الفلسطيني قبل النكبة.. وأبرزت تفاصيل هامة في تاريخ النضال الفلسطيني مثل ثورة القسام ومعركة القسطل وشهداء فلسطين أمثال إبراهيم أبو ديه وعبد القادر الحسيني وحسن سلامة وغيرهم؛ 

 

عجت فلسطين بعدد كبير من الشعراء الزجالين؛ الذين رسخوا هويتهم وانتماءهم الوطني من خلال مبارزة شعرية شعبية ومحكية دون تلعثم للغور في أعماق التاريخ والحضارة في فلسطين.



كما أبرز في هذه الحلقات اشكالا متعددة من الفلكلور الفلسطيني ودعوة صارخة للتمسك بحق العودة وتحرير الأرض السليبة؛ وكان حسون مقصد العديد من الشعراء اللبنانيين لإقامة الحفلات والأعراس والتزاجل مع آخرين... وقد كان يصنف أنه أبرز شاعر عتابا في لبنان وسوريا؛ والزجل يختلف عن العتابا؛ وقد ساهم الراحل يوسف حسون عدة تمثيليات غنائية؛ كما شارك البعض منها في مهرجانات عربية وتم بثها من إذاعة صوت فلسطين؛ فضلاً عن تقديمه أكثر من 130 حلقة من برنامج "غنى الحادي" البرنامج التوجيهي السياسي الذي كان يبث من اذاعة فلسطين,صوت الثوره الفلسطينيه من لبنان؛ 

ويمكن الجزم بأن الفضل الكبير يعود لحسون في إعادة ترسيخ وتعزيز التراث الشعبي الفلسطيني في الأعراس والمناسبات في المهاجر الفلسطينية وخاصة في مخيمات وتجمعات الفلسطينيين في لبنان؛ فقد كادت تنسى السحجة والدحية واللومة؛ واللافت أنه كما سطع نجم الكثير من الزجالين الفلسطينيين قبل النكبة الكبرى في عام 1948؛ تولدت الفكرة بالتواتر رغم عمليات التهجير القسرية التي طالت غالبية الشعب الفلسطيني، لتبرز إلى الأمام رموز كثيرة في الداخل الفلسطيني وفي مهاجر الفلسطينيين القسرية، ليبقى هذا الفن الشعبي حاضراً وبقوة، لكن الثابت أن الراحل "ابوسعيد الحطيني "رحمه الله؛ كان قبل النكبة ولمدة ليست قصيرة بعدها؛ شيخ الشعراء الفلسطينيين الزجاليين؛ ويمكن القيام بعمل وثائقي هام وبثه؛ حول هذا الرمز الشعبي؛ من خلال مقابلة أحفاده الذين يعرفون عنه وعن ارثه  الكثير؛ويقيم غالبيتهم في سورية حتى اللحظة الراهنة.

عربي 21