الوريث الوريث

تحقيق الرسالة

في غزة.. مختبرات طبية " استثمارية" على حساب صحة المريض

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

الرسالة نت – مها شهوان

في السنوات الأخيرة بات لافتا انتشار العشرات من المختبرات الطبية الخاصة بجانب المستشفيات والتجمعات الطبية، ووجودها أصبح ظاهرة إيجابية تخفف عن المريض الانتظار في طابور طويل وقت إجرائه أي فحص طبي داخل مستشفى حكومي.

ومع أن تلك المختبرات الخاصة تسد النقص الحاصل في المستشفيات الحكومية التي تكون أجهزتها معطلة، إلا أن كثرة شكاوى المرضى دفعت الرسالة للتحقيق فتبين لها أن بعض تلك المختبرات هدفها ليس الحرص على صحة المواطن بل كنوع من الاستثمار المالي والربح السريع.

وخلال البحث تبين أن عددا من العاملين في القطاع الصحي الحكومي يمتلكون تلك المختبرات الطبية لكنها مرخصة بأسماء آخرين خشية الملاحقة القانونية لازدواجية العمل.

ويدفع الربح الوفير أصحاب المختبرات من موظفي القطاع العام للتعاون مع أطباء يفرضون على المريض اللجوء لتلك المختبرات مقابل نسبة مالية تعود عليهم من صاحب المختبر الخاص.

ورغم انتشار المختبرات الطبية التي تزيد عن مائتي مختبر خاص، إلا أن الجهات الرقابية التي قابلتها معدة التحقيق اعتبرت بيئة العمل "وردية وخالية من المخالفات، وأن الأخطاء مجرد "هفوات"، لكن البحث أثبت أن الوضع كارثي بسبب ضعف الرقابة وغياب المصداقية والتحايل أحيانا.

"الرسالة" فتحت هذا الملف للوقوف على أبرز الإشكاليات داخل المختبرات الطبية وتأثيرها على المريض، ودور الجهات المختصة في متابعة سير العمل فيها لمنع استغلال المواطنين.

 استثمار ونتائج مضروبة

يقول صاحب مختبر طبي خاص – رفض ذكر اسمه- إنه كل عام يتم إغلاق حوالي ثلاثة معامل طبية كعقوبة بسبب المخالفات الفنية أو الإدارية، موضحا أن بعض المختبرات -خاصة الجديدة التي تريد جني الأرباح بشكل سريع- تستخدم مواد منتهية الصلاحية مما يؤدي إلى نتائج خاطئة أو غير دقيقة.

وأخبر "الرسالة" أنه بسبب اتفاقيات مع بعض المختبرات الخاصة والأطباء، فإن الأخير يجبر المريض على إجراء فحوصات لا حاجة لها، وإنما لتحقيق المنفعة بين الطرفين على حساب المريض.

صاحب مختبر طبي خاص: هناك منفعة بين الطبيب والمعامل المخبرية

واختصر حديثه بالقول "الشغل الصح في المختبرات ما بجيب فلوس كتير (..) لذا بعض العاملين يضعون نتائج تخمينية مثلاً حين يطلب الطبيب فحص هرمون الغدة الدرقية يطلب إجراء ثلاثة تحاليل للمريض وهي (T3. T4. TSH) لكن المختبر يجري تحليل TSH فقط لأن علاقته طردية مع الاختبارين الآخرين فإن كان مرتفعا فالباقي منخفض والعكس صحيح وبالتالي يوفر الطبيب المخبري مواد الفحص.

وذكر أن كثرة الضغط على عمل المختبر تزيد الأخطاء، فالنتيجة الخطأ تدفع الطبيب لكتابة علاج غير مناسب للمريض وبالتالي سيكلف المريض صحته وماله، مؤكدا أن الرقابة ضعيفة وتقتصر على مساحة المكان وفحص بعض المواد مرتين أو ثلاثة سنويا.

ومن الحالات التي وقعت ضحية المختبرات الطبية الخمسيني كمال سليمان حيث يقول: "قبل فترة قصيرة أجريت تحليلاً في أحد المختبرات المعروفة في مدينة غزة وتفاجأت من النتيجة لأنها تتعارض مع معرفتي لوضعي الصحي (..)، كما استغرب الطبيب المتابع النتيجة لأنها تتعارض مع حالتي، اتصل بمدير المختبر وأعلمه بالأمر، فاعتذر الأخير وبرر الخطأ بأن المعدات جديدة، وبعد إعادة التحاليل بفارق يوم واحد كانت النتيجة مختلفة كلياً.

وتابع حكايته مع المختبرات الطبية الخاصة، بأنه أجرى تحليلا في مركز تابع لجمعية أهلية معروفة وعندما رأى الطبيب النتيجة كاد أن يدخله المستشفى فوراً لخطورة الحالة كما تظهر في تقرير مختبر التحليل، إلا أنه طلب منه إعادة التحليل فوراً في مختبر آخر للتأكد قبل اتخاذ أي إجراء وهذا ما كان، فكانت النتيجة جيدة ومعدل المادة محل التحليل طبيعي.

أخصائية مختبر: الأخطاء تلصق بصغار الخريجين ليسهل طردهم

اتصل "سليمان" بمدير المختبر فاعتذر الأخير وبرر الأمر بأن الموظف المسؤول لم يقم بتنظيف وصيانة جهاز التحليل كما يجب.

وفي الحالتين، يشير الوضع إما للإهمال الشديد أو لوجود مختبرات نصب واحتيال، وفي ظل اعتماد عدد من الأطباء على نتائج التحليل دون الاكتراث لشكوى المريض والمعاينة المباشرة سيكون عدد من المرضى عرضة للخطر وللتشخيص الخاطئ، والمهم هو جني المال على حساب المريض.

وهنا تعقب "سمر. ح" إحدى العاملات السابقات في مختبرات خاصة لمدة عشر سنوات، قائلة إن الأخطاء في التحاليل الطبية تكون في المستشفيات الحكومية والمختبرات الخاصة، ويحدث أن يكتب طبيب المختبر على أنبوب دم مريض اسم آخر دون المراجعة والتدقيق.

أما عن المختبرات الخاصة التي عملت بها سمر، ذكرت أن غالبية الأخطاء تقع نتيجة قلة خبرة العاملين من الخريجين الجدد الذين يرغب صاحب المختبر بتشغيلهم برواتب منخفضة لا تزيد عن مائتي دولار، في المقابل هذه المختبرات استثمارية وتعود لأطباء يعملون في الحكومة لكن تسجل بأسماء أشخاص آخرين ويتم تعيين مدير فني للمختبر بديل لكن الربح كله للمستثمر الأساسي.

ولفتت إلى أن هناك اتفاقيات شفهية – غير مكتوبة- بين أصحاب المختبرات والأطباء، بحيث يحصل الطبيب على نسبة تصل إلى 30% حين يحول المرضى الى مختبر بعينه.

الاتفاقيات التي تكون بين المختبر وبعض الأطباء، أو الحديث عن أن الهدف من إنشاء المختبر استثماري بالدرجة الأولى لم ينكره أي من أصحاب المختبرات الطبية أو حتى الجهات الرقابية المختصة (وزارة الصحة ونقابة التحاليل الطبية) تحت عنوان (باب رزق) في المقابل لا أحد ينفي حقهم في ذلك لكن ما يثير التساؤل هو أن يكون الكسب على حساب صحة المواطن بنتائج مضروبة.

وبحسب أخصائية المختبر فإن عددا كبيرا من المختبرات الخاصة لديها مشاكل في (الكونترول) التي تخص المواد والأجهزة التي يجرى داخلها الفحص، كما يستخدمون مواد منتهية الصلاحية، وحين يكشف الخطأ سرعان ما يلصقه صاحب المختبر بصغار الخريجين ليسهل طردهم وجلب آخرين ويتكرر السيناريو.

وعن العقوبات التي تقع على المختبرات الطبية من الجهات الخاصة، أكدت أنها لم تسمع لمرة أن صاحب مختبر أخطأ وتمت معاقبته.

79cdef82-1aed-4375-b79e-deb796867378.jfif


ميثاق الشرف لمهنة التحاليل

وهنا حالة أخرى للشابة "سهام .م" التي كادت أن تخضع لعملية جراحية، حين طلب منها طبيبها إجراء فحص في أحد المختبرات التي يثق بنتائجه كما ذكر لها، وبعد إجراء التحليل تبين أنه لا بد من إدخالها إلى العمليات، لكنها تمهلت وأعادت تحليلها بعدما أخبرت قريبتها التي تعمل في المجال الصحي وحينها تبين أن لا مشكلة لديها.

تقول: "بعد إعادة التحليل وفحص الطبيب، عدت إلى المختبر واسترجعت المبلغ الذي دفعته (..) اعتذروا وطالبوني بعدم إخبار أحد بالأمر"، مضيفة أنها لم تقدم شكوى رسمية ضدهم لكنها اكتفت بنصح أقاربها ومعارفها بعدم التعامل مع المختبر.

وسألتها "الرسالة" عن مبرر المختبر لعدم ضبط النتيجة، فأجابت: "علمت بطريقتي الخاصة أن النتيجة كتبت حسب توقعات الطبيب المخبري، فحين طلب طبيبي إجراء عدة فحوص أجرى لي واحدا فقط وما تبقى كان بناء على توقعاته توفيرا للأدوات المستخدمة".

نقابة التحاليل الطبية: قبل تعديل القانون كان يسمح بازدواجية العمل

توجهت "الرسالة" إلى نقابة التحاليل الطبية، ووضعت على طاولة الدكتور محمد داوود تساؤلات حول تتبع المختبرات الطبية ومعالجة الأخطاء التي يكون المواطن ضحيتها.

يقول نقيب التحاليل الطبية إن المختبرات الخاصة هي ربحية بطبيعة الحال، لكن في الوقت ذاته تقدم خدمة دقيقة للمريض عند تشخيص حالته وفق التحاليل دون استغلال حاجته تحت أي ظرف كان، لافتا إلى أن النقابة حددت لأول مرة في مارس 2020 قائمة لضبط أسعار التحاليل في المختبرات الطبية لعدم استغلال حاجة المريض.

ورغم حديث النقيب داوود، وعرضه ميثاق الشرف لمهنة التحاليل الطبية لضبط الأمور داخل المختبرات، وبعد جولة سريعة قامت بها "الرسالة" لبعض المختبرات، اكتشفت أن هناك اختلافا في أسعار التحاليل، حيث توجد مختبرات خاصة تعتمد أسعارا مرتفعة لسمعتها وقدمها في المجال.

وأما عن العلاقة بين الطبيب الذي يحول المرضى لمختبر بعينه، قال: "لا ننكر وجود هذه الظاهرة"، مبررا ذلك بالقول إن ما يدفع الطبيب لذلك هو ثقته بنتائج المختبر التي تعتمد على التقنيات الحديثة، مشيرا إلى أن ما يتم الترويج له بالصورة السلبية عار عن الصحة.

وأكد على صحة حديثه بأنه لم تتلق نقابته أي شكوى من هذا القبيل، وغالبية الشكاوى وحالات الإغلاق سببها عدم الترخيص أو مساحة المختبر.

ووفق التقرير السنوي الذي أعدته وزارة الصحة حول المختبرات الطبية لسنة 2020، فإن عدد المختبرات الخاصة المرخصة لديها 83 مختبرا فقط، وهو رقم قليل بالمقارنة مع عدد المختبرات العاملة في القطاع ما يعني أن هناك من يعمل دون ترخيص وبعيدا عن أعين الرقابة.

ولم ينفِ أن الخطأ الطبي خلال الفحص وراد كما في كل أرجاء العالم، لكن لا بد من التمييز بين الخطأ المقصود وغير المقصود، وإن كانت هناك سلوكيات خاطئة فهي محدودة كون صاحب العمل ليس من مصلحته أن تكون نتائج مختبره خاطئة حرصا على سمعته.

وعن دور نقابته في متابعة المختبرات الطبية الخاصة، ذكر داوود أنهم يحرصون على الالتزام بأخلاقيات مهنة التحاليل الطبية وعدم وجود مخالفات، مشيرا إلى أن الشكاوى التي ترد لا تذكر كأن يقوم صاحب مختبر بإجراء فحوص غير مصنفة لمختبره، أو عدم الالتزام بالأسعار.

ولفت إلى أن هناك أصحاب مختبرات وهم قلة، حين تقترب صلاحية انتهاء المواد المستخدمة في الفحص يعلنون عن حملة لتخفيض الأسعار لإجراء فحوص في مراكزهم وهذا مرفوض ويتم محاسبة من يفعل ذلك.

وفيما يتعلق بازدواجية العمل ما بين الحكومي والخاص، قال: "ذلك غير موجود بالمطلق، لكن هناك بعض المختبرات لها خصوصيتها قبل إصدار القانون بعدم المزاوجة، ففي السابق كان يسمح لهم لكن بعد القانون قد يكون المالك موظفا حكوميا بينما المدير الفني للمختبر يمنع ذلك منعا باتا، ومن يخالف يعد له مجلس تأديبي يؤدي لفصله".

ويجدر الإشارة إلى أن قانون الخدمة المدنية رقم (4) لسنة 1998 المعدل بالقانون رقم (4) لسنة 2005م، ينص في مادته (83) إنه لا يجوز للموظف أن يعمل أو ينشغل بعمل خارج نطاق وظيفته بصفة دائمة أو مؤقتة إلا بموافقة رئيس الدائرة الحكومية المختص ويشعر الديوان به، ويسري ذلك على الموظف خلال فترة إجازته سواء بمرتب أو دون مرتب.

بينما وجدنا في المادة (84) إنه يمكن تقديم طلب للعمل خارج نطاق الوظيفة بالنسبة للموظف الحكومي ولكن وفق شروط.

فيما اشترط في المادة (85) أن يكون العمل خارج نطاق الدوام الرسمي أو مكان عمل الموظف، فيما احتوت المادة 86 على عقوبات فيها تنبيه ولفت نظر.

وللتوضيح هناك 3 أنواع للمختبرات تصنف "AوBوC" ولكل منها مواصفات بالمساحة ونوعية التحاليل المسموح إجراؤها، فالأكبر والأشمل A ومساحته لا تقل عن 50 مترا، والأقل C ومساحته 30 مترا ولا يسمح فيه بإجراء الفحوصات الهرمونية أو المصلية بل البسيطة كالسكر وسرعة الترسيب.

 الدور الرقابي لوحدة الطب الخاص

عبر صفحة وحدة الطب الخاص التابعة لوزارة الصحة بغزة، رصدت "الرسالة" خبرا منشورا في الثالث من يوليو يتضمن "وحدة الطب الخاص بوزارة الصحة - غزة تغلق 3 مختبرات طبية خاصة بمحافظة الوسطى لعدم التزامها بالنظام والقانون"، دون توضيح السبب الرئيسي.

6d7c6a92-5fbe-4a1f-a528-e7d6a0e45c99.jfif


حملت "الرسالة" جملة من الأسئلة ووضعتها على طاولة د. طه الشنطي مدير عام وحدة الطب الخاص، ليؤكد أنه في حال وصول شكاوى رسمية من أي مواطن بخصوص عمل تحاليل بناء على توصية الطبيب في تحديد المختبر ووقوع الخطأ تتولى وزارة الصحة متابعة الشكوى، عبر تحويلها للرقابة الداخلية للمتابعة مع الطبيب ومن ثم تحول إلى المستشار القانوني لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

وأكد الشنطي أن هناك قصصا وقضايا مرت وتم التحقق فيها، وتبين وجود الخطأ ما أدى إلى إيقاف الموظف، فالعقوبات تكون إما بإنذار أو بإيقاف من يخالف النظام.

وزارة الصحة: العقوبات تكون إما بالإنذار أو بالإيقاف لمن يخالف النظام المعمول فيه

وأوضح أنه يتم توجيه تعميم للمستشفيات الحكومية بعدم توجيه المواطن للتعامل مع أي مختبر أو مؤسسة خارج المستشفى، طالما يمكن إجراء التحليل داخلها.

وعن ازدواجية العمل لبعض مالكي المختبرات الطبية، ذكر أن دائرة الطب الخاص لها دور رقابي يكمن في التفتيش والمتابعة المفاجئة لمتابعة الجوانب الإدارية والفنية.

وأوضح أن الرقابة الإدارية تشمل أن يكون المختبر مرخصا وفق الشروط والمتطلبات، وأن يكون العاملون حاصلين على الشهادات المطلوبة مزاولة المهنة وأن تكون الأجهزة والمواد المستخدمة مطابقة للمواصفات، لافتا إلى أن هناك ما يقارب 150 مختبرا خاصا في قطاع غزة.

وعن استغلال الوظيفة الحكومية، أوضح أن قانون الخدمة المدنية لا يسمح للموظف بأن تكون هناك ازدواجية في العمل، ولا يسمح للموظف الحكومي أن يكون المدير الفني للمختبر كون الأخير لا بد أن يكون متفرغا لمعمله بشكل كامل.

ويؤكد الحقوقي عبد الله شرشرة على حديث الشنطي أنه بحسب قانون الخدمة المدنية، يحظر القانون في المادة 67 الجمع بين وظيفته وبين أي عمل آخر يؤديه بنفسه أو بالواسطة، بالإضافة إلى أنه يحظر استغلال وظيفته وصلاحياته فيها لمنفعة ذاتية أو ربح شخصي.

قانوني: يُحظر استغلال الوظيفة لمنفعة ذاتية

وأكد الحقوقي أنه في حال ثبت ذلك، فإن الموظف يكون قد ارتكب مخالفات قانونية عدة، حيث إنه ابتداء ارتكب مخالفة جسيمة لقانون الخدمة المدنية، خاصة المادة 68، وقد تمتد العقوبة لتصل إلى الفصل من الخدمة، واتهامات ذات طابع جنائي قد تصل لاتهامه بالقتل من غير قصد، بالإضافة إلى سحب أي تراخيص أو رخص ممنوحة له في المجال الطبي.

ويبقى التساؤل مفتوحا: هل يقتصر دور الجهات الحكومية المختصة على الرقابة على المعامل المخبرية لمعرفة انتهاء صلاحية رخصة المزاولة فقط دون وضع حد لتلك المختبرات التي تلهو بحياة المرضى وتدفعهم الثمن مرتين الأولى ماديا والثانية صحيا، والاكتفاء بأن "ضمير" صاحب المعمل الطبي هو الحكم؟