الرسالة سبورت الرسالة سبورت

تحقيق الرسالة

لضعف الرقابة.. شبهات فساد بترسية عطاءات قطاع المقاولات

الرسالة نت- أحمد أبو قمر

عند الساعة الحادية عشرة ليلا، تلقى المقاول فادي س، اتصالا من أحد العاملين في مؤسسة دولية بقطاع غزة، يخبره أن مؤسسته ستبدأ باستقبال طلبات ترسية العطاءات على أحد مشاريع البناء.

المقاول فادي، الذي تربطه علاقة قوية بزميله العامل بالمؤسسة الدولية، حصل على التفاصيل الكاملة للمشروع وعمل على كتابة المظروف الخاص بترسية العطاء بناءً على هذه المعلومات.

حصل المقاول فادي -الذي اكتفت "الرسالة نت" بترميز اسمه لحساسية القضية- على المشروع على غير وجه حق، بعد أن كشف له زميله خبايا المشروع الذي در عليه أرباحا كبيرة ما كان ليحصل عليها لولا هذه المعلومات.

"الرسالة نت" كشفت، خلال التحقيق، عن شبهات فساد تضرب قطاع المقاولات في غزة وخصوصا في ترسية العطاءات التي من المفترض أن تمتاز بالشفافية في اختيار المقاولين.

** تلاعب بالعطاءات!

مقاول: التجاوزات في ترسية العطاءات أدت لإفلاس عشرات من المقاولين

بدأت حلقات البحث من المقاول المهندس إبراهيم الحجار الذي ذكر أن 90% من المؤسسات ترسي العطاء على أقل سعر.

وقال الحجار إن قطاع المقاولات يعاني من العديد من شبهات فساد في ترسية العطاءات وتنفيذ المشاريع، "ولذلك لا يصمد الكثير من المقاولين ويخرجون من السوق بسبب الإفلاس".

وكشف عن أحد أوجه التجاوز في ترسية العطاءات الذي يتمثل في اتفاق بين الشركات المتقدمة للعطاء على عمل قرعة فيما بينها للحصول على المشروع فيما تحصل باقي الشركات المتقدمة على مبلغ من المال من الشركة صاحبة العطاء.

"وبهذه الخطوة تكون الشركة التي رسا عليها العطاء عبر القرعة، قد تمكنت من رفع قيمة العطاء وزادت أرباحها بشكل كبير جدا بغير حق".

ووفق الحجار، فإن الاتفاق بين الشركات يقتضي منها تقديم أرقام مبالغ فيها، بينما تقدم الشركة المتفق على حصولها على العطاء على مبلغ أقل لتضمن الترسية.

ومع ذلك يؤكد الحجار أن سعر الشركة التي جرى ترسية العطاء عليها عبر القرعة يعد مبلغا أكبر من حجم المشروع لتكون الأرباح كبيرة.

** التلاعب بالقانون!

ولأن قضية التحقيق يلفها الكثير من الغموض وأكثر صفقاتها تجري في الخفاء، حاول معد التحقيق الوصول للمزيد من الشهادات حول القضية، فالتقى أحد العاملين بإحدى المؤسسات الدولية التي تعمل في مجال المشاريع وتُرسي عطاءات لمشاريع بناء عبر ممولين.

موظف بمؤسسة دولية: شرط "عدم ضرورة الترسية على السعر الأقل" باب واسع للفساد

ووفق الموظف، الذي رفض الكشف عن اسمه خوفا من المساءلة، فإن مؤسسته تتحايل عبر استغلال شرط "عدم ضرورة الالتزام بالترسية على أقل سعر"، مؤكدا أن تلك العبارة تعد باباً تستغله الكثير من المؤسسات لترسية العطاءات على مؤسسات بعينها.

وأوضح أن هذا البند يوضع من المؤسسة "لحماية نفسها قانونيا"، وحينما يتم السؤال عن سبب ترسية العطاء على هذه الشركة رغم أنها الثالثة بالأسعار مثلا يتم الحديث عن الجودة في المواد المقدمة في العطاء، "إلا أن السبب الحقيقي يكمن في العلاقات التي تجمع الطرفين".

ووفق لوائح العمل المعروفة في العطاءات فإن الشركة المتقدمة للعطاء تدفع كفالة لدخول العطاء، تبلغ نسبتها 5% من قيمة المشروع، وفي حال ترسية العطاء على إحدى الشركات يرتفع مبلغ الكفالة ليصل إلى 10% تحفظ كضمان للالتزام بشروط العقد والمواصفات.

في حين، قال المقاول يوسف خليل صاحب مؤسسة العرقان للمقاولات، إن قطاع غزة يعاني من هيمنة "الحيتان الكبار" الذين لهم علاقات واسعة مع ممولي المشاريع والمؤسسات المنفذة.

وأكد خليل في مقابلة مع "الرسالة نت" أن التلاعب لا يقتصر على العطاءات بل يطال الجودة بما لا يتماشى مع المواصفات الموجودة في العطاء.

وأشار إلى أن هناك مقاولين يأخذون قطاع المقاولات كغطاء لتمرير أموال مجهولة المصدر، موضحا أن ما يدعو للغرابة أن بعض الترسيات تجري على أسعار مقدمة هي أقل من التكلفة الحقيقة للمشروع فمثلا قد تكون قيمة المشروع من عمال ومواد خام ومصاريف تشغيلية تبلغ 200 ألف دولار إلا أن الترسية تجري على مبلغ 150 ألف.

وتساءل المقاول خليل، لماذا لا تتم المحاسبة عن كيفية تنفيذ مشاريع بمبلغ أقل من المصاريف التشغيلية والمواد الخام؟ وماذا بخصوص الأرباح؟ هل من المعقول أن يكون قد استغنى عنها المقاول؟

***شبهات فساد

"الرسالة" حملت شبهات الفساد التي وصلت لها ووضعتها على طاولة الدكتور علاء الدين الأعرج رئيس اتحاد المقاولين في قطاع غزة، الذي أجاب عن السؤال السابق حول السبب في طرح أسعار أقل من سعر التكلفة بأن ذلك يعود لآلية الترسية التلقائية على أقل الأسعار في ظل ندرة المشاريع وحاجة المقاولين للعمل مما يؤدي لتنافس شرس".

اتحاد المقاولين: شبهات الفساد نتيجة لغياب الرقابة الحكومية وازدواجية السلطة

وعزا سبب تقديم المقاولين لأسعار أقل من الطبيعي إلى 3 أسباب وهي: أخطاء التسعير لدى عدد من المقاولين كنتيجة لعدم دراسة وثائق العطاء بشكل محترف أو تعيين مهندس قليل الخبرة لتقليل التكاليف.

وكذلك بسبب الشركات المديونة للغير التي تعمد إلى خفض السعر دون المنطقي لأنها بحاجة لسيولة لتمنع الملاحقات القضائية من الدائنين، رغم أن ذلك يزيد حجم المشكلة ويعمقها ولكنه يؤجل مشاكله المالية فقط.

في حين أن السبب الثالث وفق الأعرج، يتمثل في تعدد العقود والمواصفات حسب الجهة الممولة، الأمر الذي يربك المقاول ويجعله يخطئ أحيانًا في تسعير البنود لإدراج مواصفات لسلع غير موجودة في السوق المحلي.

وبيّن أنه يمكن أن تصبح قضية خفض السعر وسيلة للتلاعب بالعطاءات، "فعند إدراج بنود العطاء توضع شروط على الورق لكنها لا تنفذ على أرض الواقع ويجري تسريب المعلومة لمقاول محدد فيصبح سعر البند منخفضا ورمزيا".

وفي سياق التحقيق، أقر الأعرج بوجود تجاوزات في ترسية العطاءات أثرت على قطاع المقاولات في القطاع وأدت إلى تدميره.

وأثناء البحث والتقصي وصلت "الرسالة" لعدد من المناقصات فُصلت شروطها على مقاس شركات بعينها وهو ما يعد من أخطر شبهات الفساد كونه يحرم قطاعا واسعا من شركات المقاولات من العمل ويعرضها للإفلاس.

ما سبق أكده الأعرج، مشيرا إلى أن بعض المؤسسات الدولية تستدعي مقاولين محددين لعطاءاتها عبر ما يسمى بالقوائم المختصرة دون مبرر أو وضع شروط لا تنطبق إلا على شركتين أو ثلاثة بحد أقصى.

وتطرق الأعرج للحديث عن شبهات الفساد التي لها علاقة بترسية عطاءات بصورة غير صحيحة عبر اختيار أحد المقاولين على حساب الآخر بالاتفاق المسبق وهي الطريقة المعروفة بالقرعة.

ولفت إلى أن طريقة استثناء أقل الأسعار بدون ضابط معلن سلفًا، تفتح بابا للتلاعب أيضا.

وأكد الأعرج ما توصلت له "الرسالة" بأن بعض الجهات تتلاعب بالعطاءات من خلال إدراج بنود لن تنفذ فعليًا وتُسرّب المعلومة لمقاول ليخفّض سعره في البند مما يضمن له رسو العطاء عليه.

***رقابة غائبة

ووفق الأعرج، فإن هناك حالات يتفاجأ الاتحاد خلالها بتنفيذ المشاريع من مؤسسات صغيرة وجمعيات ثانوية عبر تعاقد مع مقاولين دون الإعلان عن العطاء نتيجة ضعف الرقابة الحكومية على هذه الجمعيات غير المعروفة والصغيرة.

وللحديث عن الرقابة الحكومية، انتقل التحقيق إلى الدكتور جواد الأغا، مدير عام العطاءات بوزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة، الذي أكد أن وزارته تشرف فقط على ترسية العطاءات الحكومية.

وقال الأغا لـ "الرسالة نت" إن مشاريع البنية التحتية التي تأتي عبر البلديات تكون عبر الوزارة بالضفة، "وبالتالي يقتصر عمل وزارة الأشغال على المشاريع الحكومية الممولة في قطاع غزة".

وأشار إلى أن المؤسسات الدولية تطرح مشاريعها دون التنسيق مع الوزارة، في حين توجد عطاءات مركزية في الحكومة من وزارة الأشغال تعمل وفق قانون رقم 6 لعام 1999".

حديث الأغا يطرح تساؤلا هاما: على من يقع دور الرقابة على المؤسسات الدولية ومشاريعها المنفذة في قطاع غزة في حال لم تكن تلك المهمة من مهام وزارة الأشغال؟ خاصة أن رئيس الاتحاد الأعرج أكد "للرسالة" أن الرقابة من مهام الوزارة والاتحاد يتابع ويراقب فقط أي تجاوزات ويعمل على إيقافها بكافة الوسائل.

وعن المشاريع التي تتم عبر وزارة الأشغال، قال الأغا إنه ومنذ 3 سنوات "نعمل على التدقيق بشكل كبير على الأسعار".

وعن سبب تقديم بعض المقاولين عطاءات بأقل من نفقاتها التشغيلية، لفت إلى أن هناك مقاولين يحصلون على السيولة من خلال هذه المشاريع، "ولكن هو يورّط نفسه في مشاكل مالية وبالتالي يخرجون من السوق بسبب عجزهم عن الحصول على تمويل".

**آليه الترسية

وبالانتقال إلى الأعرج، قال إن الترسية تتم وفق قوانين حكومية وليس من وضع الاتحاد، "القانون الفلسطيني رقم 6/99 (قانون العطاءات الحكومية) المطبق في محافظات غزة الذي عدل في (2014) في قانون الشراء العام والنظام الصادر بمقتضاه المطبق في محافظات الضفة".

وأوضح الأعرج أن آلية الترسية الرسمية الحكومية تنص على الترسية المباشرة على أقل الأسعار، "ولكن لتعدد الجهات الممولة فإن هناك آلية ترسية أخرى تمارسها المؤسسات المشغلة غير الحكومية حسب جهة التمويل التابعة لها".

ولفت إلى أن من طرق هذه الترسية، أن تكون على أنسب الأسعار المطابقة للشروط وليس أقل الأسعار مع مراعاة منطقية السعر.

ووفق الأعرج فإنه يمكن الترسية على السعر الأقرب للتقديرات وبنسبة لا تقل ولا تزيد عن 10%.

وبيّن أن آلية الترسية توضع ضمن شروط العطاء من المؤسسة المالكة للعطاء والاتحاد من يعممها، "فنظم الاتحاد عدة ورش عمل وقدم مقترحات لتعديل آليات الترسية التي دمرت قطاع المقاولات".

ولفت رئيس اتحاد المقاولين إلى أن هناك جملة من الإجراءات في ترسية العطاءات للحد من الفساد وتتمثل أهمها في الترسية على أقرب سعر لمتوسط أسعار المتقدمين للعطاء، بالإضافة لإمكانية الترسية على أقرب سعر ينتج من متوسط الأسعار مضافًا له تقديرات المؤسسة المالكة مقسومة على (2).

وأوضح الأعرج أنه جرى الاتفاق على آلية ترسية مع وزارة الأشغال بغزة تنص على الترسية بمتوسط الأسعار مضروب بـ 95%.

الآلية الجديدة بين وزارة الأشغال واتحاد المقاولين لترسية العطاءات التي لا تعتمد على أقل الأسعار، تحدث عنها مدير عام العطاءات بوزارة الأشغال العامة والإسكان الأغا قائلا: "لدينا مقترح جديد معتمد من لجنة متابعة العمل الحكومي منذ أكثر من عامين ينص على أن أي عرض للمقاول أقل من تقديرات الوزارة للنسبة يتم استثناؤه وأخذ العطاء الأقرب للأسعار".

وزارة الأشغال: نشرف على ترسية العطاءات الحكومية فقط

وبيّن أن وزارته وعبر لجنة مختصة تعمل على أخذ "متوسط سعري" لعطاءات المقاولين لمعرفة قيمة المشروع، "وسيتم عمل تقييم على الترسية بالتعاون مع اتحاد المقاولين".

وأضاف: "لدينا مكتب في وزارة الأشغال لضبط جودة التنفيذ ومتابعة سير المشروعات أولا بأول وفق ما هو مخطط له".

وكشف عن أن وزارته نفّذت 21 مشروعا خلال العام الماضي 2021 بتمويل وإشراف حكومي، و23 مشروعا حتى نهاية أغسطس الماضي، متوقعا أن يكون هناك أكثر من 30 مشروعا مع نهاية العام الجاري.

وعن دور الوزارة في حل الإشكاليات بين المقاولين وشبهات الفساد، تابع الأغا: "باعتبار وزارة الأشغال هي المرجعية الفنية لاتحاد المقاولين، ففي حال وصول أي شكوى فنية أو شبهة فساد نتدخل لوقف المشاكل والفساد والوصول لحلول تمنع هذه الحالات".

** تلاعب التنفيذ

وفي فحص ميداني أجراه معد التحقيق برفقة أحد المهندسين لمشروع تبليط في محافظة الشمال أشرفت عليه البلدية، تبيّن أن هناك تلاعبا في جودة البلاط، وأن صناعته لم تتم وفق المواصفات المطلوبة.

وفي الوقت الذي جرى تنفيذ المشروع لهذا الشارع عبر إحدى شركات المقاولات على أن يكون سُمك البلاطة 8 سم، تبيّن لمعد التحقيق بعد الفحص أن سمكها 7.2 سم.

كما أن طبقة البلاطة الناعمة التي يجب أن تكون من "واجهة البلاط الناعمة" كانت بسمك 17 ملم، بدلا من 20 ملم.

ووفق تقديرات المهندس، فإن المقاول مُنفّذ المشروع استطاع من هذه الحسبة البسيطة توفير قرابة 30 ألف دولار من بلاط الشارع فقط.

وفي مشروع آخر، وأثناء تنفيذ الطبقة السفلية للشارع -ما قبل التبليط- وبدلا من أن تكون الطبقة من "البسكورس" الخالص، جرى خلطها بثلاثة أرباع كركار وربع فقط من البسكورس.

ويبلغ سعر طن البسكورس 90 شيكلا، في حين أن شاحنة الكركار لا تتعدى 10 شواكل، ليجري توفير 9 أضعاف المبلغ المحدد للمشروع أثناء ترسية العطاء.

وحول العقوبات ودور القانون في حال التجاوزات توجهت "الرسالة" للمستشار القانوني لاتحاد المقاولين في غزة، المحامي حسن نصر الله، الذي ذكر أن هناك عدة لجان في الاتحاد تختص بعمل المقاولين أهمها لجنة حل النازعات، واللجنة القانونية.

ولفت المحامي نصر الله إلى أنه يوجد حاليا في الاتحاد نظام الكوتة، الذي يمنع الشركات من التدخل في أكثر من 4 مشاريع كحد أقصى وهو ما يفتح الباب لتشغيل الكثير من الشركات".

ولتقليل شبهات الفساد والاتفاق بين شركات المقاولات في ترسية العطاء، أوضح أن القانون يُعطي الحق بترسية العطاء في حال تقديم 3 شركات كحد أدنى، ولا يجوز ترسية عطاء في حال تقدّم أقل من 3 شركات للمشروع.

وبيّن أن التلاعب في ترسية العطاءات ليست قضية جنائية، "وبالتالي من الصعب جدا إثباتها وأن يكون عليها حكم".

وأكد المحامي نصر الله أنه في حال ثبتت قضية الغش في المهنة، فإنه بجانب الغرامة يتم تخفيض تصنيف المقاول، وهو ما يلحق به الضرر في المشاريع المستقبلية.

رئيس اتحاد المقاولين ختم بالتأكيد على أن شبهات الفساد تظهر كنتيجة تراكمية لغياب الرقابة الحكومية وازدواجية السلطة وضعف القانون وآليات (GRM) لإدخال المواد وغيرها من العوامل العديدة التي أثرت في التسعير وأدت في النهاية لانهيار أكثر من 100 شركة على الأقل وضعف مالي لدى البقية.