"حرية الإنسان في الإسلام" في مشروع المفكر السوداني حاج حمد

وكالات- الرسالة نت

يقع مشروع المفكر السوداني الراحل أبو القاسم حاج حمد في صدارة تجديد الفكر الإسلامي عبر عشرات من المؤلفات والدراسات والمقالات والحوارات الصحافية المتنوعة، لكن مشروعه الفكري التجديدي تبلور لدى العديد من النقاد في مجموعة كتب أبرزها "العالمية الإسلامية الثانية، منهجية القرآن المعرفية، الحاكمية، القرآن والمتغيرات الاجتماعية، تشريعات العائلة في الإسلام، جذور المأزق الأصولي، وحرية الإنسان في الإسلام".

وأبو القاسم حاج حمد، سيرة حافلة بالأنشطة المعرفية، فهو مفكر وسياسي وباحث، عمل مستشاراً علمياً للمعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن، وأسّس عام 1982 "مركز الإنماء الثقافي" في أبو ظبي وأقام أول معارض الكتاب العربي المعاصر بالتعاون مع العديد من دور النشر اللبنانية. كما أسّس في قبرص "دار الدينونة" لإعداد موسوعة القرآن المنهجية والمعرفية، ومجلة "الاتجاه" التي تعنى بشؤون الفكر والاستراتيجيا في نطاق الوسط العربي والجوار الجغرافي.

يطرح حاج حمد المولود في جزيرة " مُقرات" عند النهاية العليا لمنحنى النيل في شمال السودان (1942 ـ 2004)، مدخلا جديدا في حوار ثنائية الشرق والغرب الممتدة منذ اطروحات عالم الاجتماع الأشهر عبد الرحمن بن خلدون بن خلدون حتى مالك بن نبي (القضايا الكبرى) وأدوارد سعيد (الاستشراق) وحتى صمويل هنتغتون (صراع الحضارات). ويحاجج حاج حمد بأن فكرة الثنائية المبنية على الصراع السائدة في عالم اليوم هي من الحضارة الأوريبية، وأن الديموقراطية ما هي إلا آلية من آليات تنظيم الصراع الذي عاشته أوروبا وصدرته إلى خارجها.

 



أما في تشريحه للثنائية في قضية الحرية لدى الفكر الإسلامي، فإن أبو القاسم حاج حمد، يرى أن قضة الحرية ظلت منذ عروج الرسول الخاتم الموقر قبل أربعة عشر قرنا، ينظر إليها إما بتأثير أفكار المقاربة التجديدية التي اتجهت إلى محايثة حرية الإسلام بالحرية الديموقراطية الليبرالية الاوربية الغربية الصناعية، وإما بتأثير نزعة "الدفاع ضد اللهو" الليبرالية التي انتهت إلى تجريد المجتمع من حرية التشريع وتنسيب مبدأ "الحاكمية" لله عبر فئة تتمثل هذه الحاكمية في تشريعات القرآن الكريم وتأخذ بالشورى في حدود الجماعة.

ويشير في هذا الصدد إلى أن نمط التفكير اللاهوتي الثنائي الذي يعشعش وسط الحركات الدينية المعروفة في العالم الإسلامي وما بين المحيطين غربا والهادي شرقا، وفي وسط الكرة الأرضية، معتبرا أن مشكلة هذا النمط يقول بالحرية في الإسلام ولكنه برهن حتى الآن على استهلاكيته ونفعيته القصيرة النفس، إذ لم يوضحوا لنا حتى الآن موقع الحرية الإسلامية إزاء الحرية الليبرالية والحرية الطبقيى ولم يوضحوا لنا حدود المواطنة المتكافئة في دولة متباينة دينيا ولم يوضحوا النظام الدستوري في الإسلام عبر دراسة لما ينبغي عليه المجتمع المسلم نفسه غير الربا الممنوع في النظام الماركسي وغير حد قطع الي وإخراج الزكاة، "علما بأن ما قدمه المغني بوب جيدلوف لبلدان المجاعة لافريقيا ومعظم الأطفال فيها من المسلمين، يفوق ما جمعه كل المسلمين في العالم زكاة وبرا واحسانا وصدقات".

 

 

يعتقد بأن الشريعة الإسلامية تتضمن حدين لا حدا واحدا بالنسبة لكل العقوبات، الحد الأدنى الذي يعتمد على العفو والاستتابة والإعضال، ثم الحد الأعلى بصوره المختلفة.

 

 



وفقا لما يراه من التباس كبير في مفهوم الحرية، أصدر حاج حمد العام العام 2012م عن دار الساقي في بيروت، كتابه (حرية الانسان في الإسلام) الواقع في 111 صفحة من الحجم المتوسط.

وفي هذا الكتاب قدم تفسيره لعدة قضايا أعتبرها تلقى جزافا، معتبرا بأن القرآن الكريم كتاب مقدس وكلي وليس كتابا خاصا بالدستور والشرائع، وأن هيمنة القرآن على غيره نسخه للكتب السابقة باتجاه شرعة التخفيف، وان الدستور الإسلامي ليس قرآنا بل وصايل جبل عرفات التي تعرف بخطبة الوداع حيث وضعه النبي الأمي بنفسه مستخدما عبارة "أيها الناس" ولم يتطرق إلى عبارة "أيها المؤمنون" أو "يا أيها المسلمون"، فقد كان يخاطب البشرية كلها بسنة التعايش فهو رسول إلى الناس جميعا، وترك في تلك الوصايا مبادئ الحكم الجماعي مركزا على "كلكم لآدم وآدم من تراب".

ويعتقد بأن الشريعة الإسلامية تتضمن حدين لا حدا واحدا بالنسبة لكل العقوبات، الحد الأدنى الذي يعتمد على العفو والاستتابة والإعضال، ثم الحد الأعلى بصوره المختلفة.

ويرى أن ابطال شرعية التخفيف القرآنية هو ابطال لعلامات النبي الأمي المبعوث إلى كل الناس، وابطال لتمييز القرآن بالهيمنة والنسخ، وأن الاعتماد على المرويات في ما يتنافى مع النص القرآني وبالذات في العقوبات هو قول لا يامرنا الله بالاخذ به، وأن ما يتسق مع خصائص النبي عدم تنزل آيات من خوارق الطبيعة والحواس على النبي الذي تربط رسالته بين مطلق القرآن ومقومات الوعي الإنساني.

ويشير في هذه الخلاصة التي أسس عليها مفهوم حرية النسان في الإسلام، إلى أن الدستور الإسلامي في "وصايا الجبل" يشكل بنود "الأدنى" من الحدود التي يتعايش بها المسلمون مع غيرهم في كل مجتمعات العالم، وأن القضايا الخلافية في هذا "الأدنى" من الحدود يمكن أن تجد طريقها للتفاهم طالما أن الحدود هي دون ما تتجه إليه الأنظمة الوضعية نفسها كالعفو عن السارق والسارقة.

وهنا يرى أن الفارق الأساسي بين الأديان والقوانين الوضعية هو أن قوانين الدين تتجه مباشرة إلى تمكن الانسان من الترقي بالعبادة على مستوى الروح، فقاعدة الإسلام هي "العائلة الروحية" ثم تتسع إلى مستوى "المجتمع الروحي" ثم تتخذ "الأمة" شكلها الدستوري الذي يقوم بين حديث، هي إما أمة "كاملة الاطار" حيث تتطابق حدودها الدينية مع الجغرافية البشرية، وإما أمة "متعددة الاطار" بحيث تتعايش بشرعة الحد الأدنى التي بينها الرسول الخاتم في "خطبة الوداع".

ومن هذا المدخل يؤسس الكتاب للحرية في الإسلام باعتبارها ثمرة لوعي الانسان ولإطلاق عقله كونيا، معتبرا أن كل مذهب في العالم قديما أو معاصرا، قد وضع مفهومه لحرية الإسلام من زاوية علاقة الإنسان بغيره، بينما جاء الإسلام بأخطر قاعدة عندما رد مفهوم الحرية إلى تكوين الإنسان نفسه.

ويبتعد عن الثنائية المبنية على الصراع بما يسميه مفهوم "الحرية الإسلامية والشبيه الأوربي"، ويرى في هذا الصدد أن الحرية الأمريكية او النموذج الليبرالي هي أيضا حرية الانسان، لكن الفرق في الإسلام ان الحرية الإسلامية مقيدة إلى اخلاق الروح، لا إلى امتدادات الجسد الحسي بالمنفعة الليبرالية، ففي الإسلام يلتزم الانسان بحرية "البعد الرابع" في تكوين الانسان نفسه، فالبعد الأول هو البدن "شبيه الجماد"، والبعد الثاني هو النبات " وفيه تطور من الجماد الى الحواس"، والبعد الثالث هو البهيمية والانعام "وفيه تطور من الحواس الى النفس" أما البعد الرابع هو "الروح".

ويرى أن مقومات "البعد الرابع" في تكوين الانسان المفارق بالروح لتشيئات المادة وعالمها الطبيعي تجعل للإرادة الإنسانية علوا على عالم المشيئة الطبيعية، وباتالي على كل الاحالات الفلسفية لقوانين الطبيعة التي يراد لها المنطق الوضعي أن تنسحب على الانسان، مغفلة أن إرادة الانسان تمتلك "التعالي" على شروط الجدلية المادية بالروح.

لكنه يشير هنا إلى ان الإسلام لا يلغي فلسفيا قوانين علم المشيئة، فالتفاحة تظل تسقط، وانما يلغي خضوع إرادة الانسان لهذه المشيئة الطبيعية، ويطلب من الانسان التعالي بارادته ليعود ويتحكم في اتجاهات ونتائج الصيرورة والحريكة في عالم المشيئة.

 

 

يؤسس الكتاب للحرية في الإسلام باعتبارها ثمرة لوعي الانسان ولإطلاق عقله كونيا، معتبرا أن كل مذهب في العالم قديما أو معاصرا، قد وضع مفهومه لحرية الإسلام من زاوية علاقة الإنسان بغيره، بينما جاء الإسلام بأخطر قاعدة عندما رد مفهوم الحرية إلى تكوين الإنسان نفسه.

 

 



ولما كانت "الإرادة" هي أداة اساسية في التغيير لدى مشروع حاج حمد، فقد تضمن كتابه "حرية الانسان في الإسلام"، مبحثا للحرية الإسلامية وسبل التغيير، واعتبر أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعيى هي مجرد وسيط مادي لانعتاق "إرادة الروح" وضمان ممارستها للحرية الروحية وفق سمعها وبصرها وفؤادها وكافة قواها الادراكية، فمن اجل الانسان يجب ان تمنهج النظم الاقتصادية والاجتماعية، لا ان يمنهج الانسان بها، ولا ما قيمة تكوين الانسان الذاتي متعاليا على المادة وشروطها بالروح.


وفي مبحث آخر من الكتاب، ينظر إلى الحرية باعتبارها أساس فرز سياسي، ويرى أن مهمة المسلم أن يكون داعية في وسطه وحيثما كان، فإذا تميز بوضع تنظيم خاص عزل نفسه عن الىخرين، ثم جعل تنظيمه وثنا وصنما يعبده، فيكون التنظيم أقيم باسم الإسلام ليكون أداة للتفرقة بين المسلمين، وويصل في هذا المبحث إلى أن الاسلام ليس فيه تنظيمات سياسية لها قيادة مميزة عن المسلمين؛ إن المسلمين "قاعدة واحدة" وتنظيم واحد وجسد واحد والداعية هو " النفر – القدوة" بين المسلمين في بيته وفي مكان عمله وفي الأسواق ..الخ.
 
ويرى في هذا الصدد أن كثير ما يلتبس الوضع على الثوريين من المسلمين الذين يتطلعون لقيم التحرر ويكرهون نفاقية بعض الحركات المتأسلمة، ومن هنا تطرح قضية الفرز نفسها بشدة على الانسان المسلم، لان مدخل الممارسات الظالمة لا يكون إلا بمصادرة حرية الناس، فمصير المقتول أيا كان دينه بيد الله.

فالحرية والعدالة صنوان، وما فسدت الحرية وقمعت إلا عبر التسلط بالطبقية الجائرة، ومن هنا فإن معركة الفرز التي لا توسط فيها تحدد دوما بمدى ما تتسلط فئة معينة على مجتمع ما، فالذي يحدد "المع" و" الضد" في مفهوم التغيير الإسلامي هو "ميزان الحرية".

ويناقش "حرية الانسان في الإسلام" في فصله الثالث، القطيعة المعرفية مع الايدلويولوجيا، ويرى أن المعرفة الدينية قد احيطت في مراحل التنزل المختلفة ببيئة "المفاهيم الأيديولوجية التاريخية" السابقة لمرحلة الانعتاق البرجوازي الفردي الليبرالي، وأن حرية الانسان لم تكن مرتبطة بالإنسان لذاته "فردا" إلا ضمن المشروع البرجوازي "السيد في مقابل العبد"، وأن القراءة الماضوية التي أصبحت تفسيرا قد ارتبطت بنوع من القدسية التي اضفيت على ذات المفسرين،فقد اصبح من الصعب على المراحل الايدلوجية المتقدمة في تاريخ البشرية أن تحل مفاهيمها هي كبديل عن تلك المفاهيم "معركة الماضويين وأنصار التجديد".

وينتهي الكتاب بفصل كامل عن العبودية لله، مبينا دور "البعد الرابع" في شعور الانتماء بالعبودية لله، ونقائص السلوك الاجتماعي والأخلاقي.

المصدر: عربي21