مقال: إيران في أجندة الحكومة (الإسرائيلية) الجديدة

صالح النعامي
صالح النعامي

صالح النعامي

أعلن رئيس الحكومة (الإسرائيلية) الجديدة بنيامين نتنياهو -خلال الكلمة التي ألقاها عشية أداء أعضاء حكومته اليمين القانونية أمام الكنيست- أن التصدي لبرنامج إيران النووي وضمان حرمانها من تطوير سلاح ذري سيكون على رأس أوليات ائتلافه الحاكم.

لا يعد هذا الإعلان مفاجئا، حيث إن الحكومات التي رأسها نتنياهو وتعاقبت على إدارة دفة الأمور في (إسرائيل) منذ 2009 وحتى عام 2021 رأت في البرنامج النووي الإيراني تهديدا "وجوديا"؛ ليس فقط بسبب الخشية من أن تستخدم طهران السلاح النووي ضد "تل أبيب"، بل أيضا لأن حصول إيران على سلاح نووي يمنح حلفاءها في المنطقة مظلة دفاعية تقلص قدرة (إسرائيل) على استهدافهم.

في الوقت ذاته، فإن نتنياهو يرى أن السماح لإيران بتطوير سلاح نووي سيطلق العنان لسباق نووي إقليمي يمنح دولا أخرى في المنطقة المسوغات لتطوير قدرات ذرية مماثلة؛ مما يفقد (إسرائيل) واحدا من أهم ركائز تفوقها النوعي على المحيط العربي.

وإلى جانب العوامل الإستراتيجية، فإن نتنياهو يولي أهمية كبيرة لإرثه الشخصي كقائد، حيث إنه كثيرا ما جاهر بأنه سيعمل على تجنيب "الشعب اليهودي" مخاطر النووي الإيراني كما جنب رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل أوروبا خطر النازية. فضلا عن ذلك، فإن نتنياهو معني حاليا بفرض أجندة أمنية على الجدل العام في (إسرائيل) لتقليص مستوى الاهتمام بقضايا الفساد التي يحاكم فيها حاليا، والتي يمكن أن تفضي إلى إيداعه السجن فترة طويلة.

وعلى الرغم مما تقدم، فقد طرأت بعض التحولات "السلبية" التي تضع الكثير من العراقيل أمام (إسرائيل) في سعيها لإحباط البرنامج النووي الإيراني؛ حيث إن بعض هذه التحولات تسبب فيها نتنياهو شخصيا.

وإن كان نتنياهو لا يعترف بذلك، فإن الكثير من القيادات السياسية والأمنية في (إسرائيل) ترى أنه ارتكب خطأ إستراتيجيا أثناء توليه رئاسة الحكومة السابقة عندما أقنع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي وقعته إيران والقوى العظمى في 2015، دون إلزام طهران بإطار آخر يقلص قدرتها على مواصلة تطوير برنامجها النووي؛ فانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وجملة عقوبات "الحد الأقصى" التي فرضتها إدارة ترامب بتشجيع من نتنياهو منح إيران المسوغ للتحرر من قيود اتفاق 2015 والشروع في زيادة مستويات تخصيب اليورانيوم إلى 60%، وتطوير الإمكانات التقنية والفنية اللازمة، وعلى رأسها أجهزة طرد مركزي متقدمة.

على الرغم من أن جهاز الموساد نفذ خلال عهد حكومات نتنياهو وحكومة بينيت-لبيد مئات العمليات السرية ضد البرنامج النووي الإيراني، وشملت تصفيات طالت علماء ذرة، وهجمات سيبرانية استهدفت المنشآت النووية الإيرانية وتفجيرات ضربت بنى صناعية عسكرية نوعية في العمق الإيراني؛ فإنها لم تنجح في إجبار إيران على التراجع عن مواصلة تطوير برنامجها النووي.

في الوقت ذاته، فإن تركيبة الحكومة الجديدة وطابع موازين القوى فيها وتباين الأجندات التي تحكم توجهات أحزابها لا تساعد نتنياهو على الوفاء بمتطلبات مواجهة البرنامج النووي الإيراني.

ففي حين تقع مواجهة البرنامج النووي الإيراني على رأس أولويات نتنياهو، فإن شركاءه في الحكومة من ممثلي اليمين الديني يصرون على وجوب استثمار (إسرائيل) أقصى طاقتها من أجل حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني عبر توسيع الاستيطان وتجذير التهويد وضم الأراضي والمس بقدرة الفلسطينيين على مواصلة المقاومة.

صحيح أن ممثلي اليمين الديني في حكومة نتنياهو لن يعارضوا سياساته الهادفة إلى إحباط البرنامج النووي الإيراني؛ لكنهم في الوقت ذاته لن يسمحوا بأن تكون مواجهة إيران على حساب مخطط حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني.

فممثلو اليمين الديني في الحكومة الجديدة يعون تماما أنه ليس بوسع (إسرائيل) استنفاد طاقتها في مواجهة النووي الإيراني في وقت تطبق فيه الأجندة التي تتمسك بها حركة "المنعة اليهودية" التي يقودها وزير الأمن "الوطني" إيتمار بن غفير وحركة "الصهيونية الدينية" برئاسة وزير المالية والاستيطان بتسلئيل سموتريتش، والمتمثلة في العمل على ضم مناطق واسعة في الضفة الغربية.

فقد كشفت قناة التلفزة (الإسرائيلية) الرسمية "كان" مؤخرا عن أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن أبلغت نتنياهو أن إقدام حكومته الجديدة على أية خطوة تهدف إلى ضم أجزاء من الضفة أو تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى سيؤثر على استعداد واشنطن للتعاون مع تل أبيب في مواجهة نووي طهران.

لكن حتى لو لم تتجه الحكومة الجديدة إلى ضم أجزاء من الضفة ولم تغير بشكل كبير الوضع القائم في الأقصى، فإن تطبيق الاتفاقات بين نتنياهو وشركائه في اليمين الديني التي على أساسها تم تشكيل الحكومة الجديدة سيقلص قدرة إسرائيل على مواجهة النووي الإيراني.

فتوجه وزير الأمن الوطني الجديد إلى تغيير أوامر إطلاق النار بشكل يسمح لعناصر شرطة الاحتلال بالتوسع في استهداف الفلسطينيين وتنفيذ خطته الهادفة إلى إحداث مزيد من التدهور على ظروف اعتقال الأسرى في سجون الاحتلال؛ سيشعل الأوضاع الأمنية في الضفة وإسرائيل بشكل يزيد من فرص انضمام غزة وفلسطينيي الداخل إليها؛ مما سيقلص قدرة الجيش والمؤسسة الأمنية (الإسرائيلية) على التفرغ لمواجهة التحديات الخارجية، وعلى رأسها النووي الإيراني.

في الوقت ذاته، فإن اشتعال مواجهة بين (إسرائيل) والفلسطينيين وما سيسفر عنها من بروز مظاهر استهداف المدنيين الفلسطينيين على نطاق واسع سيمس مكانة إسرائيل الدولية؛ مما سيقلص قدرة صناع القرار في "تل أبيب" على تجنيد دعم دولي، وتحديدا غربي، لدعم سياساتهم تجاه إيران.

إلى جانب ذلك، فإنه رغم أن تراجع فرص التوصل لاتفاق بين طهران والغرب قد أفضى إلى تقارب الموقفين الأميركي و(الإسرائيلي) من الملف النووي الإيراني، وتحديدا بعد تكثيف موسكو وطهران تعاونهما العسكري، فإنه لا زالت هناك خلافات جوهرية تفصل بين الجانبين في كل ما يتعلق بطابع الظروف التي توجب التدخل العسكري لإحباط المشروع الذري الإيراني. فإسرائيل تعلن أنه يتوجب استخدام الخيار العسكري ضد إيران حتى لا تتحول إلى دولة على "حافة قدرات نووية". أي عدم تمكينها من مراكمة القدرات التقنية والعلمية التي تمكنها من تخصيب اليورانيوم بمستويات وكميات كافية لإنتاج سلاح نووي، حتى لو لم تستخدم هذا اليورانيوم في إنتاج هذا السلاح.

في المقابل، فإن الولايات المتحدة أوضحت بشكل لا يقبل التأويل أنها تلتزم بالعمل عسكريا ضد إيران فقط لمنعها من إنتاج السلاح النووي؛ أي أن الولايات المتحدة لا ترى في تحول إيران إلى دولة على حافة قدرات نووية مسوغا لمهاجمتها عسكريا.

مما يفاقم الأمور تعقيدا حقيقة أنه من دون دعم عسكري وسياسي أميركي لن يكون بوسع (إسرائيل) وحدها القضاء بالوسائل العسكرية على البرنامج النووي الإيراني؛ فقد أقر كل من رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت ورئيس الموساد السابق تامير باردو بأن إمكانيات وموارد (إسرائيل) الذاتية لا تسمح لها بتوجيه ضربة قاضية للمشروع النووي الإيراني.

وإن كانت القيادات العسكرية (الإسرائيلية) تقر بأنه ليس بوسع إسرائيل وحدها تدمير المنشآت النووية الإيرانية، فإنه لن يكون بوسع نتنياهو تمرير قرار داخل الحكومة بتنفيذ ضربة عسكرية للنووي الإيراني. فكما كشف رئيس الموساد السابق مئير دغان، فقد حاول نتنياهو في 2010 تمرير قرار بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، إلا أن اعتراض رئيس أركان الجيش في ذلك غابي أشكنازي ودغان نفسه حالا دون ذلك.

لذا يرجح أن تزاوج (إسرائيل) تحت قيادة نتنياهو بين مواصلة تنفيذ العمليات السرية الهادفة إلى التشويش على البرنامج النووي الإيراني من جهة، ومن جهة أخرى تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لإقناع الولايات المتحدة وأوروبا بفرض مزيد من العقوبات، التي ترى أنها يمكن أن تقلص قدرة الحكم في طهران لمواصلة التفرغ لتطوير البرنامج النووي.

لكن نجاح هذه الجهود يتوقف بشكل أساسي على قدرة نتنياهو على إقناع شركائه في الحكومة من ممثلي اليمين الديني بتجنب التصعيد في الساحة الفلسطينية.