الاعلام الحر كسر الصمت وساعد ثورتين

غزة-شيماء مرزوق- الرسالة نت

مصر تصنع في هذه الايام اروع ثورة في تاريخها الحديث ليس فقط للتحرر من النظام الديكتاتوري والمستبد الذي سلبها حريتها واضاع هيبتها وكرامتها على مدار ثلاثة عقود, وانما ايضا للتحرر من هيمنة الخطاب الرسمي الاعلامي الذي تحكمه ثقافة التمجيد الدائم للرئيس المصري.

الاحداث الجارية في مصر اعتبرها الكثيرون ثورة اتصال وتكنولوجيا, حيث لعب الاعلام دورا بارزا في توعية الناس ومدهم بالأخبار والاحداث وادق التفاصيل, وهو ما قد يفسر الاعتداءات المتكررة على الصحفيين حتى الاجانب من قتل وضرب وطرد وملاحقة.

حرب الفضائيات

من الواضح أن النظام في مصر اعتبر قناة الجزيرة هي العدو الاول له، وكان طبيعياً سحب اعتماد مراسليها، وإغلاق مكتبها في القاهرة، والتشويش عليها، ووقف بثها على قمر النايل سات أكثر من مرة، وهو ما رفع من شأنها لدى الشارع العربي وخاصة الحشود المتظاهرة في ميدان التحرير لتكون ’صوت الثورة’، فقد وضعوا شاشة كبرى تنقل ما تبثه ’الجزيرة’، ورفعوا ترددها في لافتاتهم، وقاموا بتوزيعه في منشور، كلما تغير، لتحقق هذه المحطة شعبية بالمنع، لم تكن لتصل إليها بالسماح.

وفي هذا السياق اعتبر د.فريد ابو ضهير أستاذ الإعلام بجامعة النجاح الوطنية أن التغطية الإعلامية للأحداث الجارية في مصر جيدة وتأتي مواكبة وعلى مستوى الحدث, خاصة مع وجود وسائل الاتصال المتطورة التي تسمح للإعلام بالوصول إلي التفاصيل الدقيقة ونقلها مباشرة للجمهور المتابع في كل دول العالم.

وأكد أن وسائل الإعلام انقسمت بين الطرفين فبعضها يؤيد ثورة الشباب وبعضها يصطف إلي جانب النظام, موضحاً أن قناة الجزيرة تعطي المساحة الأكبر من تغطيتها للمتظاهرين ويقل فيها تواجد النظام, حيث انها أصبحت مرتبطة بنبض الشارع والجمهور, منوها أنها باستمرار تنسب كل التصريحات والأخبار لمصادرها, وقال " الجزيرة لم تعط مساحة كافية للنظام المصري وقد يكون ذلك بسبب رفض النظام التعامل معها ومطاردته لها".

بدوره اعتبر الصحفي عماد الافرنجي أن الجزيرة كعادتها اختارت أن تنتصر للمهنية وتنقل حقيقة الواقع, وهو ما لم يعجب الكثيرين الذين اتهموها بالانحياز وعدم الموضوعية, بالرغم انها كانت تأتي بجميع الاطراف للتعبير عن أرائها.

في حين ذكر أبو ضهير أن قناة العربية انعكس عليها الموقف الرسمي السعودي والخليجي للأحداث, وفي البداية لم تركز أو تراهن على رأي الجمهور ولكن الشارع المصري فرض نفسه على كل وسائل الإعلام واضطرت لان تواكب الحدث وتتعامل مع الشارع, إلا أنها بقيت تعطي مساحة كبيرة للحكومة والنظام المصري.

وأشار الافرنجي إلى أن العربية تتبع سياسة اعلامية واضحة ومعروفة وغالبا ما تقف الي جانب الانظمة العربية الرسمية واحيانا تعمل لأجندات بعيدة عن الشارع العربي وهو ما يضرب شعبيتها لدى الجماهير.

يسوده الحذر

المتابع للإعلام الفلسطيني يلحظ أنه تعامل مع أحداث مصر بحذر وحساسية شديدين ولربما بلا مبالاة كما هو الحال مع تلفزيون فلسطين الذي تجاهل كل ما يجري على الساحة المصرية وفضل أن يعرض سيرة ذاتية لبعض الفنانين التشكيليين او الشعراء على شاشته في الوقت الذي اشعلت الاحداث المصرية كل الشاشات العربية والعالمية.

وفي هذا الشأن ذكر ابو ضهير ان الاعلام الفلسطيني يواكب وينقل الحدث بحذر شديد ويحاول تناول الموضوع دون انحياز, مرجعا ذلك إلي الارتباط العميق بالسياسة المصرية اتجاه العملية السلمية والمفاوضات والسياسة الدولية, لافتاً أن السياسة الخاصة بالسلطة والأحزاب الفلسطينية المختلفة تنعكس على وسائل الإعلام الناطقة باسمها.

من جانبه شدد الافرنجي على أن الاعلام الفلسطيني الرسمي تعامل مع الاحداث في مصر بلا مبالاة وكأنها لا تخصه, خاصة تلفزيون فلسطين وبعض الصحف والاذاعات التابعة للسلطة الفلسطينية, في حين أن الاعلام الخاص والحزبي تعامل مع الحدث وعكس الواقع باعتبار أن أي حدث في مصر يؤثر على فلسطين, نتيجة لثقل دور مصر السياسي والعسكري, وحاولوا نقل الحقيقة دون تدخل او انحياز.

وأوضح أن كل القوى السياسية تتعامل بحذر سواء في خطها السياسي او خطابها الاعلامي, لان الجميع امام حدث دراماتيكي يتغير في كل لحظة ودقيقة والجميع ينتظر ما ستؤول اليه الامور, فالحذر كان واضح على خطاب جميع وسائل الاعلام الفلسطينية.

ولفت الافرنجي إلى أن بعض وسائل الاعلام المصري والاسرائيلي حاولت الزج بفلسطين في احداث مصر من خلال الحديث عن وجود فلسطينيين بين المتظاهرين او بتحميلهم المسئولية عن تفجير أنبوب الغاز الواصل من مصر الي اسرائيل والاردن.

يبقي على خط الرجعة

وفيما يخص الاعلام المصري الرسمي والمعارض فقد أشار ابو ضهير إلي أن الإعلام الرسمي هو ناطق باسم النظام ويعبر عن سياساته وخطابه وأرائه, وحتى الإعلام غير الرسمي فهو أيضا مرتبط بالسياسات العامة لمصر ولا يستطيع مهاجمة الحكومة لذلك يحاول الإبقاء على خط رجعه مع النظام.

ونوه انه في حال حسمت الأمور لصالح النظام ستجد هذه الوسائل الإعلامية نفسها في مأزق كبير, لذلك فهي تنحاز للحكومة وتعطي للمتظاهرين الحد الأدنى من مساحة تغطيتها للأحداث.

ولفت الافرنجي الي إن الاعلام المصري المناوئ للنظام كان ينقل الحدث كما هو, اما الاعلام الرسمي فكان مع النظام ويحاول إن يبهت الصورة في مصر ويضعفها, معتبرا إن الاعتداء على الصحفيين الاجانب وملاحقة الاعلاميين والاعتداء عليهم هي سياسة واضحة من قبل النظام لخنق الصورة وابهاتها.

وشدد ابو ضهير على إن ما يحدث في مصر هو ناتج عن تطور وسائل الإعلام والاتصال والتكنولوجيا, ولذلك أطلق عليها البعض ثورة التواصل الاجتماعي.

واعتبر أن الأمور تسير بشكل متصاعد ومن الطبيعي إن يستخدم الجماهير وسائل الإعلام التي تزيد من وعيهم بالأحداث التي تدور حولهم.

ويبقى الحدث المصري المسيطر على الشاشات والسياسات والعقول في انتظار ما ستؤول إليه الامور في ميدان التحرير والذي سيحدد مصير مصر والشرق الاوسط بأكمله.