"كل أسير معك جوا، أخوك، لو طلب منك اشي بتعطيه، وأنت لو بدك اشي بتطلب منه، عدوك الوحيد هو السجان، من يفتح باب الزنزانة ويغلقها"، كانت هذه هي الوصية الأخيرة من والد الطفل المقدسي أيهم السلايمة (14 عاما) قبل أن يلسمه إلى شرطة الاحتلال (الإسرائيلي).
ليس هذا المشهد غريبا في القدس، فكل يوم يعتقل الاحتلال الأطفال المقدسيين في خطة ممنهجة لإعادة برمجتهم، وإذا بكل واحد منهم يخرج بعد أشهر أو أعوام وقد بنى الأسر وأصدقاء الزنزانة في داخله وطنا أكبر من ذلك الذي بناه هو داخل نفسه.
" كيف طفل بعمري سيدخل السجن، سأشتاق لأبي وأخوتي وجدتي وأهلي"، كان هذا كل ما استطاع أيهم أن يقوله ما قبل دخول الزنزانة، وقد بدأت الحكاية قبل عام ونصف، حينما تم اعتقاله وثلاثة أصدقاء أخرين، وكان عمره دون 14 عاما ففرض عليه الحبس المنزلي، وهذا يعني أنه لعام ونصف، لم يذهب إلى مدرسته، ولم يقابل أصدقاءه، ولم يلعب أو يزور أحد أقاربه، ثم وبعد عشرين جلسة محاكمة، حكم عليه بالسجن الفعلي لعام كامل آخر.
مر عام ونصف العام بالسجن المنزلي في بيت عائلته في حي رأس العامود في القدس المحتلّة، لكنّ هذا العقاب لم يكن كافيا للسلطات الإسرائيلية التي قضت مؤخرا بإدخاله إلى السجن الفعليّ، لمدة عام إضافيّ، وذلك عشيّة اليوم العالميّ للطفل.
ويتساءل البعض، مالذي يمكن أن يحكم لأجله طفل في عمر أيهم؟!
الشرطة (الإسرائيلية) كانت قد اعتقلت أيهم وشقيقه الأكبر أحمد، وابنَيّ عمهما محمد ومعتز، بتهمة رشق الحجارة على مستوطنين استولوا على منازل فلسطينية في الحيّ ذاته.
يعرف أيهم ورفاقه طريقهم جيدا، فهذا الأسى لا يمكن أن يغفل عنه أحد، أو يتجاهله طفل في عمر أيهم، وهناك في محيط الأقصى، تُهود المقدسات وتصادر البيوت، ويطرد المقدسي من بيته وحقه منذ ثمانين عاما، على مرأى أعين صغار القدس، الذين لا يمكن فصلهم عن الصورة.
وفي كل الأحوال، لا يحتاج الاحتلال لسبب ليعتقل طفلا، فقد فعلها كثيرا، وبالأمس الأول من كانون الثاني ديسمبر يتناول الصغير وجبة الفطور الأخيرة، لأن وجبة الغداء كانت مع المعتقلين، ثم وقف على باب الزنزانة، ووالده يمسك بكتفه الصغير، يهزه ويردد على مسامعه:" بتدخل طفل، وبتطلع أسد".
وقد تهيأ أيهم ما قبل دخوله المعتقل، بناء على نصيحة المنتظرين له هناك، فقد أرسل المعتقلون رسالة لوالده، ينصحونه بأن يحلق شعر أيهم، فلا يوجد في داخل الزنازين حلاق، وليحميه من الأمراض الناتجة عن حرمانهم من الاستحمام وكل مستلزمات النظافة الشخصية، ففعل والده، ثم قال مشيرا لرأس الصغير ساخرا بأسى: "أصبح ابني معتقلا قبل أن يدخل المعتقل".
وقبلها بيوم، أصدرت هيئة الأسرى تقريرها الخاص بالطفولة الفلسطينية، بمناسبة يوم الطفل العالمي، مشيرة إلى أن حكومة الاحتلال التي تعتقل الصغار، كحكومة وحيدة حول العالم تفعل ذلك.
فالاحتلال يواصل اعتقال ما لا يقل عن 270 طفلا، يقبعون بشكل أساسي في سجني عوفر ومجدو، إلى جانب معسكرات استحدثها جيش الاحتلال بعد حرب الإبادة على غزة.
ووفق هيئة الأسرى فإن «عدد حالات الاعتقال منذ بدء حرب الإبادة المستمرة والعدوان الشامل على أبناء شعبنا، بلغ أكثر من 11 ألف و700 مواطن من الضّفة بما فيها القدس، دون غزة، حيث يقدر عدد المعتقلين بالآلاف، وبالتأكيد، يوجد بينهم الكثير من الأطفال، اعتقلوا وأهينوا وتعذبوا لجريمة واحدة فقط (طفل فلسطيني).