يبدأ النهار بالسلام الوطني، داخل خيمة وسط قطاع غزة تمارس طقوس المدرسة من أولها لآخرها، معلمون ومعلمات تطوعوا وتحدوا محاولات الاحتلال (الإسرائيلي) لتجهيل وتهجير سكان القطاع الذي يتعرض لحرب إبادة منذ أكثر من أربعة عشر شهرًا.
حوّل المعلمون الخيمة إلى مدرسة حقيقية رغم كل شيء حولهم، ليتخطوا كل العقبات التي يريد الاحتلال صنعها باستهداف تفاصيل الحياة في غزة.
آلاء حسونة معلمة وصاحبة مبادرة (علم وحياة) تقف برفقة صديقتها دعاء عبد اللطيف، ليحاولا تقديم نجدة من نوع آخر، لا بحثًا عن الطعام والماء، ولكن هذه المرة بحثًا عن العلم، واسترجاع ما فقد خلال عام ونصف من مسيرته.
أسسوا مبادرتهم في منطقة الزوايدة بالمحافظة الوسطى، بدأوا بصفين، ثم ازداد العدد حتى فاق تخيلهم، ليبقى التعلم وسيلة الفلسطيني الثابتة للحفاظ على قضيته منذ بدأ الاحتلال بإبادته قبل أكثر من 70 عام.
تقول آلاء حسونة: "نزحنا من مكان لآخر، ونحن نخاف مما سيحدث للمسيرة التعليمية، ثم بدأت فكرتنا، وحولناها إلى واقع فورًا، بدأت بخيمتين، ثم اكتظت الخيام حتى وصلت إلى 320 طالب من الصف الأول للتاسع."
تضيف حسونة: "لم تكن الخيام مقتصرة على المرحلة الابتدائية والإعدادية بل للثانوية أيضًا، وفرعي العلمي والأدبي للثانوية العامة.
وتتابع "لدينا 200 طالب في مرحلة (التوجيهي) يتلقون كل أنواع التعليم والعناية، ويريدون أن يصل صوتهم لوزارة التربية والتعليم حتى يعتمدوا المدرسة مع بقية المدارس الأخرى."
واقع مليء بالتحديات، لكنه لا ينسى العلم مهما نسيتهم الحياة، بدون مقاعد، ولا قرطاسية، ولا كتب، يجلس الطلاب على أرض الخيمة حتى يتلقوا تعليمهم ويكملوا مشوار حياتهم وكأن لا طائرات تقصف في السماء، وفي طريق الذهاب والعودة يرتجف القلب خوفًا من قذيفة أو قصف بالجوار، يلتقط آخر أمل بالحياة.
لكن يستمر التحدي حتى الرمق الآخير، بإمكانيات شحيحة، فالمدرسة بحاجة إلى دعم حقيقي، ليكافح كل منهم على طريقته، وتحاول آلاء حسونة وزميلتها دعاء عبد اللطيف إعطاء شيء من حق هؤلاء الأطفال المسلوب.
يذكر أن الأمم المتحدة رصدت مقتل ما لا يقل عن 9217 طالب وطالبة ونحو 397 معلم ومعلمة في عموم القطاع منذ بدء الحرب (الإسرائيلية).
وتم تسجيل إصابة 14237 طالب وطالبة و 2246 معلم ومعلمة، كما تخلف نحو 39 ألف طالب عن امتحانات الثانوية العامة المفصلية في حياة كل طالب.
وذكر تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن 577 مدرسة على الأقل تضررت جراء القصف المستمر على جميع محافظات القطاع، مما أثر على مستقبل أكثر من نصف مليون طالب وطالبة كان من المفترض أن يلتحقوا بهذه المدارس، فيما تحتاج 84⁒ على الأقل من مدارس القطاع إلى إعادة بناء كاملة أو إعادة تأهيل كبيرة.
وأدت عمليات النزوح المتكررة لأكثر من 1.9 مليون فلسطيني إلى تحويل مدارس الأونروا لمراكز إيواء، تعرّض 53.5⁒ منها للقصف المباشر.
أرقام صادمة، قد تكون سببًا يخيف أي معلم من القيام بمبادرة لإكمال المسيرة التعليمية، لكنه في مبادرة آلاء ودعاء، كان حافزًا، ودافعًا للتحدي، فعلى حياة الغزي أن تستمر رغم قهر الاحتلال.
هكذا حولت صديقتان الخيمة إلى مدرسة!
الرسالة نت