منذ معركة طوفان الأقصى، ثم حرب لبنان، استخدم رئيس وزراء الاحتلال (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو رموزًا توراتية في خطاباته السياسية لتبرير جرائم جيشه ضد المدنيين في قطاع غزة. كان نتنياهو يستعين بقصص وردت في التوراة لمنح الحرب صبغة مقدسة، وسار على خطاه قادة كيانه المتطرّفون لتبرير استراتيجياتهم العسكرية وطموحاتهم السياسية.
استخدم نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر سبتمبر/أيلول الإنجيل، وذكر "الخيار الأزلي الذي وضعه موسى أمام شعب إسرائيل منذ آلاف السنين". في الوقت نفسه، ذكّر الجمعية بأن أعداء (إسرائيل) "لا يسعون فقط لتدميرنا، بل يسعون لتدمير حضارتنا المشتركة".
من أبرز الرموز والقصص التوراتية التي استخدمها نتنياهو في خطاباته المعادية لقطاع غزة هي قصة "العماليق"، خاصة عند إعلانه الاجتياح البري. كما استعانت وسائل الإعلام العبرية بقصص من التوراة للتحريض ضد الفلسطينيين، لاسيما سكان غزة، للتأكيد على أن القتل والمجازر مهمة دينية تُنفَّذ وفقًا لتعاليم الرب في التوراة.
يستعرض موقع "الرسالة نت" أبرز الرموز التوراتية التي استُخدمت في الخطاب السياسي الإسرائيلي خلال الحرب على غزة، والهدف من وراء توظيف هذه الرموز الدينية.
بداية استخدام الخطاب الديني وتأثيره على المجتمع (الإسرائيلي)
بدأ استخدام الخطاب الديني منذ تأسيس المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897، بهدف تجنيد الجماهير اليهودية الكبرى في شرق أوروبا لصالح الحركة الصهيونية.
اعتمد الصهاينة في خطاباتهم على المخيلة الدينية لأن معظم اليهود – وعددهم نحو 7 ملايين آنذاك – كانوا من سكان شرق أوروبا، لاسيما روسيا وأوكرانيا وهنغاريا وبلغاريا، وغالبيتهم العظمى متدينون. كان الهدف الأخير لهؤلاء الصهاينة هو حث هذه الجماهير الغفيرة على الهجرة إلى "أرض الميعاد" التي تُصوَّر على أنها "تفيض عسلاً ولبنًا"، ليجدوا هناك ملجأهم وطعامهم بعيدًا عن الدماء.
يكمن تأثير الخطاب الديني في (إسرائيل) في تجييش الإعلام والسكان، وهو هدف ملموس كونه معنويًا. فمنذ بداية حرب غزة، توحّد الإسرائيليون واستحضروا قصصًا توراتية، مثل قصة العماليق، وردّدوا نفس العبارات والتصورات الواردة في الخطاب الإعلامي.
نتيجة لهذا الخطاب، ومع عدم احتمال الإسرائيليين لفشل الحرب على غزة، تم تجييش الشعب حول الساسة والحكومة. أُطلقت أيادي الجنود لتنفيذ أعمال انتقامية ضد الغزيين، كحرق البيوت والمستشفيات وقتل المدنيين، دون أن يتلقوا أي أوامر عسكرية بذلك.
ولإضفاء شرعية على أي قرار أو قانون إجرامي، يتخذ الإسرائيليون الشرعية اليهودية غطاءً لذلك. بدءًا من الهجرة إلى فلسطين، مرورًا بتصويرها كأرض خالية من السكان، وصولًا إلى النكبة وسياسات الإقصاء وحرب الإبادة الجارية حاليًا.
أبرز الرموز التوراتية في الخطاب السياسي لتبرير السياسات العدوانية
1. أرض الميعاد:
يُستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى الأراضي الفلسطينية باعتبارها "وعدًا إلهيًا" للشعب اليهودي، مما يمنح الاحتلال بُعدًا دينيًا لتبرير السيطرة على الأرض.
2. القدس عاصمة أبدية:
تُبرز القدس كرمز ديني وسياسي يُستند إليه لتأكيد سيطرة إسرائيل على المدينة، مستغلين ارتباطها التاريخي والديني بالنصوص التوراتية.
3. شعب الله المختار:
يُستحضر هذا المفهوم لتأكيد تفوّق الشعب اليهودي ودوره "المقدّس"، مما يضفي شرعية دينية على السياسات الإسرائيلية.
4. المكابيون:
حسب التاريخ اليهودي، كانوا مجموعة من قُطّاع الطرق الذين يسرقون الأغنياء ويحرقون مراكز السلطة. خسروا معركتهم ودُمّر الهيكل، لكن الخطاب الصهيوني حولهم إلى أبطال لرفضهم الرضوخ لسلطة أجنبية. تُستدعى رمزية المكابيين لتقديم إسرائيل كدولة صغيرة تقاتل من أجل "البقاء" ضد أعداء أكبر.
5. يوشع بن نون:
يُعتبر رمزًا للنصر العسكري والاستيلاء على الأرض. تُستخدم شخصيته لتبرير سياسات التوسع والتهجير القسري باعتباره قائد استراتيجيات الاستيطان الأول.
6. العماليق:
يرتبط ذكر العماليق بأمر الإبادة الشاملة في التوراة، ويُستخدم رمزهم للإشارة إلى الأعداء الحاليين، سواء الفلسطينيين أو الدول المعارضة لإسرائيل. تُستغل القصة لتبرير العنف المفرط ضد "العدو"، بزعم أن هذا العدو يُشكل تهديدًا وجوديًا.