وقعت الحادثة بالأمس، في حي الجبريات بمدينة جنين، وفي أحد أيام مدينة جنين الهادئة، بينما كان الشاب ربحي الشلبي يقود دراجته النارية برفقة ابن عمه، متوجهين إلى عملهما.
حياتهم بسيطة، وأحلامهم صغيرة، لا تخرج عن حدود لقمة العيش، والعمل الشاق من أجل توفير ما يعينهم على استكمال يومهم.
كان ربحي شابًا متواضعًا، يعمل سائق توصيل، يمر عبر الحواجز العسكرية التي قسمت الضفة الغربية إلى قطع صغيرة، وكان ذلك جزءًا من معاناته اليومية.
لكن اليوم كان مختلفًا. كان ربحي وابن عمه يحملان كرتونة بصل صغيرة، ويتوقفان عند حاجز أمني في حي الجابريات، كعادة كل من يمر من هناك. لم يكن في ذهنهما شيء غير الوصول إلى العمل، والحصول على أجرهم بعد يوم طويل من الجهد. لكن في تلك اللحظة، تغير كل شيء، كما قالت العائلة في بيان لها صباح اليوم.
يوم جديد من الأسى في جنين، حيث لم يكن هناك شيء يشير إلى أن هذا اليوم سيحمل في طياته مصيرًا مفجعًا. لكن أحد عناصر أمن السلطة، وهو داخل مركبته، أطلق النار على الشاب ربحي وابن عمه من مسافة قريبة جداً، كانت الرصاصة أسبق من محاولة للتفاهم.
رصاصة اخترقت صدر ربحي مباشرة، فسقط شهيدًا على الفور، بينما أصيب ابن عمه برصاصة في عينه. الدماء التي سالت على الأرض لم تكن مجرد آثار لجريمة قتل، بل كانت أيضًا علامة على الخذلان، على الظلم الذي وقع على شاب كان كل ذنبه أنه خرج في صباحه لتأمين قوت يومه.
لم يكن ربحي جزءًا من صراع سياسي، ولم يكن يشكل أي تهديد لأمن أحد، لكنه دفع ثمن حياته لأنه تواجد في المكان الخطأ في اللحظة الخطأ.
"إعدام ميداني"، هكذا وصف أفراد عائلة الشلبي ما جرى. ورغم كل الحزن الذي في قلوبهم، كان الأسوأ هو اختطاف جثمانه بعد استشهاده من قبل أجهزة أمن السلطة، حيث احتفظت به لفترة قصيرة قبل أن تلقيه في الشارع كما لو أن هذا الشاب لم يكن له حق الحياة.، أو حتى احترام لكرامته بعد الموت!
لم تكن مرة أولى، بل هو مشهد مكرر، حيث رفعت أجهزة أمن السلطة من وتيرة جرائمها منذ اندلاع حرب الإب على قطاع غزة، إذ استعرت نارها لإجهاض اي محاولة لاستنهاض المقاومة بالضفة.
ارتفعت على نحو صادم إحصائية عدد من أعدمتهم السلطة الفلسطينية برصاص عناصر أجهزتها الأمنية في الضفة الغربية المحتلة منذ أحداث عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 إلى أكثر من 11 مواطنًا.
ووفق معطيات وبيانات رصدها موقع “الشاهد” فإن آخر ضحايا رصاص السلطة هو الشاب ربحي محمد الشلبي وأصيب على إثرها حسن ربحي.
واستهدفت أجهزة السلطة بالاعتقال والقتل عناصر المقاومة في بالضفة، وآخرهم ما حدث في جنين باختطاف عدد منهم وإطلاق النار عليهم مباشرة، ما تسبب باندلاع اشتباكات مسلحة بينهم.
واتهمت الناشطة السياسية لمى خاطر جيش الاحتلال الإسرائيلي بتوفير غطاء كامل لجرائم وانتهاكات أجهزة السلطة الفلسطينية بحق عناصر المقاومة في الضفة الغربية المحتلة.
وقالت خاطر في تغريدة إن “أجهزة السلطة تستفرد بشباب المقاومة في جنين، وتتجاوز بملاحقتهم وإصابتهم واعتقالهم، كل المحاذير والخطوط الحمراء، مطمئنة إلى غطاء الاحتلال وصمت المجتمع”.
وأشارت إلى أن “هذا دور قديم جديد يقول كل شيء عن جوهر هذه السلطة، وطبيعتها والغاية الأساسية من وجودها”.
وتشهد دموع عائلة الشهيد المغدور بأن لا أحد يمكنه أن يصدق أن أحدًا سيقدم على فعل كهذا في ظل ظروف القهر التي يفرضها الاحتلال على جنين، التي يبدو أنها أصبحت تعاني من احتلالين، (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية.