قائمة الموقع

مسيحيو غزة.. (البابا نويل) لم يبرح البلدة القديمة!

2024-12-18T14:34:00+02:00
جزء من كنيسة القديس برفيريوس التاريخية التي قصفها الاحتلال
خاص- الرسالة نت

كما جدران البلدة القديمة التي لا تزال تواجه آلة الدمار والموت، رغم عمرها العتيق الضارب في جذور هذه الأرض، يظل مسيحيو غزة متشبثين بأرضهم، متحدين الموت الذي لا يفارقهم.
حين قصفت المساجد، رفعت الآذان من كنائسهم؛ وحين دمرت المنازل، فتحوا أبواب بيوتهم؛ وحين استهدفت المستشفيات، جعلوا من المراكز الصحية ملاذًا للمرضى والمصابين؛ ومن مدارسهم إيواءً للمهجرين والمشردين.

في السابع عشر من أكتوبر الماضي، عاش سكان القطاع على وقع فاجعة مروعة، حين استهدف الاحتلال الآلاف من المدنيين الآمنين النازحين إلى مستشفى المعمداني "الأهلي العربي" وسط مدينة غزة.
المجزرة المروعة التي راح ضحيتها المئات من الفلسطينيين وآلاف المصابين، كانت واحدة من شواهد المذابح التي ارتكبها الاحتلال في حرب الإبادة المستمرة على القطاع منذ العام الماضي، وهي تعبير واضح عن الوجه الانتقامي للاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني بكل طوائفه.
المستشفى، الذي يتبع إداريًا للكنيسة الكاثوليكية في القطاع ويضم كنيسة صغيرة، شهد واحدة من بواكير المجازر المروعة التي استهدفت المسح الكامل لمقرات ومنشآت مدنية ودينية وصحية. وتلتها جرائم أخرى كشفت عن الهدف الإسرائيلي في دفع السكان إلى النزوح من شمال القطاع نحو جنوبه.

وفقًا لما ذكره رئيس الأساقفة الأنجليكاني في القدس المطران حسام نعوم خلال مؤتمر صحفي، قال: "منذ اتخاذ القرار بإخلاء شمال غزة إلى الجنوب، تلقينا ثلاثة إنذارات لإخلاء المستشفى والانتقال جنوبًا".
بعد يومين فقط من المجزرة، استهدف الاحتلال كنيسة القديس برفيريوس، وهي كنيسة شرقية يعود تاريخها إلى عام 407 قبل الميلاد، مما أسفر عن استشهاد 24 شخصًا وإصابة المئات. كان هذا الاستهداف الثاني للكنيسة، إذ سبق أن تعرضت لهجوم في عدوان عام 2014، عندما استشهد 70 من النازحين.

إصرار البقاء
يقول إلياس الجلدة، عضو مجلس وكلاء الكنيسة العربية الأرثوذكسية في قطاع غزة، إن مسيحيي غزة تمسكوا بالبقاء في شمال القطاع، أسوة بأبناء شعبهم.
وأضاف في حديث لـ"الرسالة نت" أن المسيحيين احتموا في الكنيسة وقرروا لاحقًا الدفاع عنها خشية هجوم الاحتلال عليها، كما فعل بالمساجد.
وأكد: "قرارنا واضح، لن نغادر المكان؛ لأننا تاريخيًا نعيش فيه، ورفضنا أن نهاجره".
وبين استشهاد 23 شهيدًا وشهيدة من المسيحين في غزة بشكل مباشر نتيجة القصف والاستهداف؛ وحوالى 7 شهداء بفعل نقص الأدوية والغذاء؛ وهم يشكلون 3% من إجمالي عدد المواطنين المسيحيين بغزة.
وأشار الجلدة إلى أن سلطات الاحتلال هاجمت الكنائس مرات عدة، وكذلك المراكز التابعة لها، في محاولة للضغط على السكان للرحيل نحو الجنوب، لكن السكان تمسكوا بأرضهم وصمدوا في وجه العدوان.
وتابع: "لا توجد مؤسسة مسيحية لم تتعرض للاستهداف. فقد دُمّر المركز الثقافي الأرثوذكسي بالكامل، وهو أكبر مركز ثقافي في المدينة. كما تم استهداف مدرسة العائلة المقدسة، واستشهد العشرات فيها، وقُصفت كنيستا المعمداني وبرفيريوس".
وأوضح الجلدة أن الحي المسيحي، الذي يسكنه غالبية المسيحيين في منطقة الرمال، تعرض للتدمير بشكل شبه كامل، إلى جانب تدمير مقر جمعية الشبان المسيحية، والعديد من المدارس التابعة للكنائس مثل مدرسة الراهبات الوردية. كما انتشر القناصة حول كنيسة دير اللاتين التي تعرضت لإطلاق نار متكرر.
وأكد أن الاحتلال دمّر منازل المسيحيين المحيطة بالكنائس، بالإضافة إلى استهداف المرافق الأخرى التابعة لهم.
ويعلق الجلدة بالقول: "المسيحيون في غزة مثلهم مثل أبناء شعبهم دفعوا الثمن وعاشوا كل الظروف الصعبة. قرارهم حاسم: إمّا العيش في مناطقهم شمال القطاع أو أن يُدفنوا فيها".
وأضاف أن الاحتلال دمّر البلدة القديمة في غزة، التي يعود تاريخها لأكثر من ألفي عام، وتعمّد تدمير المناطق الأثرية مثل المسجد العمري وحمام السمرة وغيرهما من المعالم التاريخية التي طالتها حرب الإبادة.
وأكد أن الاستهداف طاول الجميع، وقال: "كنا جميعًا، مسلمين ومسيحيين، نستأنس بوجود بعضنا البعض في المنطقة. الاحتلال اعتبر صمودنا في أرضنا جريمة نعاقب عليها، وكان ينتقم من أهل الشمال لأنهم أصروا على البقاء فيه".
وختم الجلدة حديثه بالقول: "يُسجل لأبناء شعبنا، بغض النظر عن دينهم أو لونهم أو توجهاتهم الفكرية والسياسية والدينية، أنهم صمدوا في وجه هذه الحرب شمال القطاع ولم يغادروه رغم القتل والتنكيل والإبادة والتجويع. ومصممون على الاستمرار في هذا الموقف".

شعب واحد
يبلغ عدد مسيحيي غزة عشرات الآلاف، ويتبعون كنيستين رئيسيتين، الأرثوذكسية والكاثوليكية، ويديرون العديد من المؤسسات التعليمية والصحية في القطاع.
وقال الأب لويس حنا، رئيس منظمة الشبيبة المسيحية في فلسطين، إن الاحتلال لم يفرق في أي لحظة بين مكونات الشعب الفلسطيني، موضحًا أن حرب الإبادة استهدفت كل مكونات القطاع.
وأوضح في مقابلة مع "الرسالة نت" أن العدوان الإسرائيلي سبقته اعتداءات خطيرة على المساجد والكنائس على يد المستوطنين المتطرفين، وشملت حتى الاعتداء الجسدي والبصاق على رجال الدين.
وأشار إلى أن صمود سكان غزة، لا سيما في البلدة القديمة، أفشل مخطط التهجير ودفع الاحتلال إلى استهداف المساجد والكنائس على حد سواء.
وقال: "عندما توقفت المآذن عن الأذان، قرعت الكنائس أجراسها ليؤذن المسلمون، والعكس. نحن جميعًا في مواجهة حرب إبادة تستهدف الحجر والشجر والكنائس والمساجد وكل المقدرات".
وأضاف: "كل ما تريده دولة الاحتلال هو إبادة هذا الشعب بكل مقدراته وأطيافه، واقتلاعه من أرضه وتجريد الأرض من وجوده، والعمل على إحلال مستوطنين يهود مكانه".
وختم بالقول إن الشعب الفلسطيني أظهر التلاحم الوطني في أبهى صوره، حيث واجه الجميع آلة الحرب الإسرائيلية بروح واحدة وصمود أسطوري.

اخبار ذات صلة
«بيبي».. لمَ أنت صامت
2010-10-26T07:12:00+02:00