من بين جدران سجن الدامون الإسرائيلي، عاشَت دعاء القاضي، الأسيرة الفلسطينية المحررة، تجربة مريرة لا تُنسى. لم يكن الاعتقال الإداري الذي دام ثلاثة أشهر سوى بداية معاناة طويلة في حياة فتاة فلسطينية كانت تأمل في العيش بحرية، إلا أن الواقع كان أشد قسوة مما تصورت.
عندما تم اعتقال دعاء، لم تكن تعرف أنها ستواجه جحيمًا في سجن يُسلب فيه كل حق إنساني، حيث تم احتجازها دون تهمة أو محاكمة، كما يحدث مع الآلاف من الأسرى الفلسطينيين. وُضعت في زنزانة ضيقة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الإنسانية. كانت تهوية الزنزانة معدومة، والإضاءة شديدة القسوة، وكأنها تخنقها في كل لحظة. أوقات طويلة قضتها في العزلة التامة، بعيدة عن أي تواصل مع العالم الخارجي أو حتى مع أسيرات أخريات.
تصف دعاء في شهادتها ما تعرضت له من انتهاكات جسدية ونفسية على يد جنود الاحتلال. "كانوا يقتحمون الزنازين في أي وقت، يصرخون بأعلى أصواتهم، ويعمدون إلى مصادرة كل شيء صغير يعطيني بعض الراحة. لم يسمحوا لنا بأي خصوصية، حتى في أبسط الأمور، كانت الحرية مجرد حلم بعيد"، تقول دعاء بصوت خافت .
كما لم تسلم دعاء من ضربات السجانين القاسية، التي كانت تتناثر في جسدها الضعيف كلما تجرأت على المطالبة بحقوقها الإنسانية. "كانوا يضربوننا بدون سبب، ثم يتركوننا في الزنازين بغير طعام أو ماء لعدة أيام. كانت الحياة في الدامون أشبه بالكارثة المتواصلة. لم يكن هناك فرق بين الليل والنهار. كان الألم لا يفارقني، والانتظار أصبح عذابًا لا ينتهي."
ورغم كل ذلك، كانت دعاء تحمل في قلبها شعلة من الأمل. حتى في أصعب اللحظات، لم تفقد إيمانها بقضيتها. "كنت أذكر دائمًا أن هذا الاعتقال لن يدوم. الحرية آتية، والشعب الفلسطيني سيظل صامدًا. في سجني، كنت أرى في خيالي وجوه أصدقائي وعائلتي، وأشعر بأنني لست وحدي في هذا الصراع."
بعد ثلاثة أشهر من الاعتقال الإداري، تم الإفراج عن دعاء القاضي. ولكنها عادت إلى الحياة وهي تحمل في قلبها ألم الماضي، ولكن أيضًا قوة جديدة. لم تكن تلتفت إلى ما فقدته، بل كانت تتطلع إلى المستقبل، وتعلم أن الحرية ليست مجرد كلمة، بل هي حق يُستعاد بالدم والنضال.
بعد السابع من أكتوبر، دخلت مرحلة جديدة من العنف والقمع، كما تصف الأسيرة التي لم يتجاوز عمرها 20 عامًا. تقول: "كانت كلمة قمع وضرب أقل ما يمكن أن يُقال عن ما عايشناه. كانوا يخرجوننا للتفتيش في أي وقت، حتى في الساعة الثالثة فجرًا. كان يتم تقييد أطرافنا وتكبيلنا، ثم يلقون بنا على الأرض ويجبروننا على الوقوف لساعات في الساحة تحت برد قارس. العزل كان أسهل القرارات، فأي أسيرة يُمكن أن تُعزل إذا كان صوتها يُسمع خلف باب الزنزانة، حتى لأتفه الأسباب."
أشارت دعاء إلى قلة الملابس وافتقار الأسيرات لأبسط مقومات الحياة، حيث تعرضن للبرد القارس في السجن: "من ناحية الملابس، كان يعطون كل أسيرة لبسة واحدة فقط، وهي الشاباص (لباس الأسرى داخل السجن)، وذلك بعد أن أخذوا منا الملابس الصيفية. لم تكن هناك أي بدائل، وكل واحدة منا كانت مضطرة لتحمل البرد القاسي بلباس واحد فقط."
كما تحدثت عن الوضع الصحي في السجن، الذي وصفته بـ "المزرِي": "نظافة القسم كانت سيئة للغاية، ولم يكن هناك مواد تنظيف كافية، ما جعلنا نعيش في بيئة غير صحية قد تسبب أمراضًا. ومع الإهمال الطبي المستمر، كان من المستحيل أن يتم إرسال أي أسيرة إلى العيادة إلا بأمر من القاضي والمحكمة، ما يفاقم معاناتنا ويزيد من حالة التدهور الصحي."
ووصفت دعاء ما كان يحدث في العيادة داخل السجن، مؤكدة أن الأوضاع الطبية كانت كارثية: "العيادة كانت غير مجهزة، والأطباء لا يعيروننا أي اهتمام. كان أي علاج أو استشارة طبية يتطلب أمرًا قضائيًا، مما جعل العلاج أمرًا شبه مستحيل."
وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت القاضي في السابع عشر من سبتمبر الماضي، بعد اقتحام منزلها في مدينة البيرة. دعاء هي شقيقة الأسير مصطفى القاضي.
حسب آخر التقارير، يوجد حوالي 150 أسيرة فلسطينية في سجون الاحتلال الإسرائيلي. يشمل ذلك الأسيرات المعتقلات في مختلف السجون الإسرائيلية، مثل سجن الدامون، سجن هشارون، وسجون أخرى. كما أن عدد الأسيرات يختلف بمرور الوقت بسبب الاعتقالات المستمرة، حيث يتم اعتقال النساء الفلسطينيات في مختلف الظروف السياسية والأمنية.
كما أن هذه الأرقام لا تشمل الأسيرات من قطاع غزة، حيث لا توجد إحصائية دقيقة عن عدد الأسرى والأسيرات المعتقلين من غزة منذ السابع من أكتوبر 2023