في قطاع غزة المحاصر، حيث الشتاء القاسي يخترق الجدران المهترئة والخيام المتداعية، يعيش مئات الآلاف من النازحين الفلسطينيين في ظروف أقل ما توصف بأنها مأساوية. بعد أشهر من الحرب التي دمرت المنازل وشرّدت الأسر، لم يتبقَ للكثير من هؤلاء سوى الخيام أو المباني المدمرة التي بالكاد تحميهم من البرد القارس والأمطار الغزيرة.
نزوح جماعي وأزمة متفاقمة
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 1.9 مليون شخص، أي حوالي 85% من سكان قطاع غزة، نزحوا عن منازلهم منذ بداية النزاع الأخير في أكتوبر 2023. يعيش هؤلاء في مراكز إيواء مكتظة، خيام تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، أو بقايا منازل مدمرة لا توفر أي حماية تُذكر من تقلبات الطقس.
مع دخول الشتاء، أصبح الوضع أكثر قسوة. مياه الأمطار تغمر الخيام وتغرق الأرضيات الترابية، بينما تتسبب الرياح العاتية في تمزيق الأغطية البلاستيكية التي يستخدمها النازحون كوسيلة مؤقتة لحمايتهم من الطقس.
قصص مأساوية من أرض الواقع
سيلا الفصيح، ابنة الثلاثة أسابيع، واحدة من أصغر ضحايا البرد القاتل. وُلدت سيلا في خيمة صغيرة بمنطقة المواصي جنوبي قطاع غزة، حيث عانت الأسرة من درجات الحرارة المنخفضة والأمطار المتواصلة. توفيت الرضيعة نتيجة انخفاض حاد في درجة حرارة جسمها، بعدما غمرت المياه الخيمة التي تسكنها أسرتها.
يقول والدها، محمود الفصيح، بصوت متهدج: "حاولت بكل ما أملك أن أحميها. لفيتها بكل ما وجدته من بطانيات قديمة، لكن البرد كان أقوى من كل محاولاتي". في أعين محمود، الحزن والغضب واللاجدوى تمتزج بشكل مؤلم.
وفي حدث آخر، توفي الطفلان التوأمان أحمد وليلى الزهارنة، يبلغان من العمر 4 أعوام، داخل خيمتهم بعدما جرفت الرياح سقف الخيمة البلاستيكي. تقول والدتهم: "كنت أحاول أن أشعل النار في بعض الخشب المبلل، لكن لم أستطع إنقاذهم. كانت أصواتهم تخفت حتى صمتت تماماً".
إحصائيات صادمة
حسب المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فإن عدد الوفيات الناتجة عن البرد القارس وصل إلى 7 أشخاص خلال أسبوع من بينهم 6 أطفال.
الحياة في الخيام: صراع دائم
العيش في خيمة يعني مواجهة شتى أنواع المخاطر. إلى جانب البرد القارس، تعاني العائلات من انتشار الأمراض. حالات التهاب الرئة ونزلات البرد الحادة في ارتفاع، خصوصاً بين الأطفال الذين لا يملكون الملابس الشتوية الكافية.
تقول أم محمد، وهي أم لخمسة أطفال تعيش في خيمة شمال غزة: "أطفالي يمرضون كل يوم. ليس لدينا مال لشراء الدواء، ولا طعام كافٍ لنقوي أجسادهم ضد المرض. لا نملك سوى الانتظار، ولكن الانتظار هنا يعني الموت البطيء".
ماذا عن المساعدات الإنسانية؟
أطلقت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عدة نداءات عاجلة لتوفير المساعدات الإنسانية لسكان غزة. حتى الآن، تم توفير بطانيات وملابس شتوية لحوالي 23% فقط من النازحين. لكن هذا الرقم لا يكفي لتلبية احتياجات مئات الآلاف الذين يواجهون شتاءً قاسياً.
تقول إحدى العاملات في الإغاثة: "نواجه نقصاً هائلاً في الموارد. نوزع المساعدات على الأكثر حاجة، ولكن مع هذه الأعداد الكبيرة، من الصعب تغطية الجميع".
الصمت الدولي يزيد المعاناة
في ظل هذا الوضع، تتزايد الانتقادات للمجتمع الدولي بسبب تقاعسه عن تقديم الدعم الكافي لقطاع غزة.
الأطفال وكبار السن هم الأكثر تضرراً من هذا الوضع الكارثي. ومع كل يوم يمر، تتزايد المخاوف من ارتفاع عدد الضحايا بسبب البرد القاسي، خاصة في ظل غياب حلول جذرية.
تقول أم إبراهيم، وهي جدة لـ6 أطفال فقدت منزلها في القصف الأخير: "كل ما نريده هو مكان دافئ. نريد فقط البقاء على قيد الحياة".
ومع استمرار تدهور الأوضاع في قطاع غزة، يبقى النازحون عالقين في دائرة من المعاناة والموت. في كل ليلة شتاء، يذهب الأطفال للنوم متجمدين تحت بطانيات خفيفة، غير متأكدين مما إذا كانوا سيستيقظون في الصباح.
في النهاية، يظل السؤال قائماً: متى سيتحرك العالم لإنقاذ هؤلاء الأبرياء؟ وهل ستجد صرخات البرد القارس في غزة من يسمعها؟