فجر هذا اليوم الصعب، كسابقه من الأيام، اغتالت الطائرات الإسرائيلية اللواء محمود صلاح، مدير عام الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة، في غارة جوية استهدفت مدينة خان يونس جنوبي القطاع. لم يكن استهدافه مجرد اغتيال لقائد أمني، بل كان استهدافًا لشخصية وطنية قدمت الكثير لخدمة شعبها، وعاشت حياة مليئة بالتضحيات والإنجازات.
الرجل المعروف لدى أهالي قطاع غزة بعمله تحت الظل، دون ضجيج، لم يكن رجلاً عادياً، بل كان قامة مدروسة بعناية، تستحق مكانها ومكانتها التي وضعت فيها.
ولد اللواء محمود محمد صلاح في عام 1974 في أسرة فلسطينية من قرية "حليقات" التي تقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948. ترعرع في قطاع غزة، حيث نشأ في قلب المعاناة اليومية لشعبه. كان ابنًا لعائلة بسيطة لكنها غنية بالثوابت الوطنية، وكان دائمًا يحمل على عاتقه هموم شعبه وتطلعاته للحرية.
التحق اللواء محمود صلاح بجهاز الشرطة الفلسطينية في بداية تأسيسه بعد مجيء السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة في عام 1994. مع بداية مسيرته، تميز بحماسه، واهتمامه بتطوير نفسه وتعلم كل ما يتعلق بالعمل الشرطي. فقد شارك في العديد من الدورات والبعثات الخارجية في دول عربية مثل اليمن، الإمارات، قطر ولبنان، ليكتسب مهارات عالية في مجاله. ومنذ التسعينيات، كان يهدف دوماً إلى نقل الخبرات وتطبيق أحدث الأساليب الشرطية في خدمة الوطن.
ثم تتابع التميز بفضل خبرته ومهنيته العالية، تقلد اللواء محمود صلاح العديد من المناصب الهامة في جهاز الشرطة الفلسطينية. كانت مسيرته مليئة بالإنجازات التي خدمت أمن قطاع غزة وسكانه. كان من أبرز أدواره تأسيس "أكاديمية عرفات للشرطة" في غزة في أواخر التسعينيات، بالإضافة إلى تأسيس "وحدة سهم" الخاصة التي كانت مخصصة للتصدي للخارجين عن القانون. كما قاد الدورات التدريبية للشرطة في مدينة أريحا، وشارك في تأسيس المديرية العامة للتدريب والإمداد والتجهيز بوزارة الداخلية.
ورغم المسؤوليات التي كانت تضغط عليه، إلا أن اللواء محمود صلاح كان دائمًا قريبًا من الناس. تربط علاقات واسعة مع جميع فئات المجتمع، من سياسيين، وحقوقيين، ومؤسسات إنسانية محلية ودولية. كان يعد من أكثر الشخصيات الموثوقة في قطاع غزة، خاصة في مجالات التعاون الدولي والإنساني.
في سنواته الأخيرة، واصل اللواء محمود صلاح تقديم خدماته لأبناء شعبه في أوقات الأزمات. وكان له دور حيوي في تأمين وصول المساعدات الإنسانية للمواطنين في جنوب قطاع غزة، حيث تصدى لقطاع الطرق واللصوص الذين حاولوا سرقة المساعدات في وقت اشتدت فيه الحروب والاعتداءات الإسرائيلية. كان دائمًا في الميدان، يقدّم الأمان لشعبه.
وفي فجر اليوم الثاني من عام الإبادة الجديد 2025، وفي الوقت الذي كان فيه اللواء محمود صلاح يؤدي واجبه الإنساني، حيث كان برفقة مساعده اللواء حسام شهوان، تعرضت سيارتهما لغارة جوية إسرائيلية على مدينة خان يونس، ليرتقي الشهيدان معًا. كانت لحظة اغتيالهما بمثابة صدمة لكافة أبناء غزة الذين اعتبروا اللواء صلاح رمزًا من رموز الأمن والاستقرار.
رغم أن اللواء محمود صلاح قد استشهد، إلا أن إرثه سيظل حيًا في القلوب والعقول. لقد ترك وراءه نموذجًا في التفاني في خدمة شعبه، وفي العمل الوطني بكل مهنية وحرص. كان دائمًا في طليعة القادة الذين يضعون مصلحة وطنهم فوق كل شيء، مستمدًا قوته من إرادة الشعب الفلسطيني الذي لا يرضخ أبدًا للظلم.
كانت حياته مليئة بالتحديات، ولكنه أثبت أن القيادة الحقيقية لا تتوقف عند المناصب، بل هي مسؤولية لا تُقاس بالزمن، بل بالتأثير الذي تتركه. كانت آخر رسائله في الحياة العمل بكل صدق من أجل شعبه، حتى اللحظة التي استشهد فيها دفاعًا عن أمنهم واستقرارهم.
رحل اللواء محمود صلاح، وترك وراءه أربعة أطفال وزوجة مكلومة، يتذكرون كيف كان "نعم الرجل" في زمن عز فيه الرجال، لكنها الشهادة التي أثبتت على مدار عام ونصف من الإبادة بأنها كرامة لا تعطى إلا لمستحقيها.