اليوم، وبعد سنواتٍ من الانتظار والترقب، فرحت أم ناصر أبو حميد بعد أن أُفرج عن أبنائها الثلاثة: نصر، محمد، وشريف أبو حميد، من سجون الاحتلال الإسرائيلي. لكن هذه الفرحة، على الرغم من قوتها، لا تخلو من الألم والحزن، فالإفراج عنهم جاء مشروطًا، حيث تقرر إبعادهم إلى خارج الضفة الغربية، ما يعني أن عودتهم إلى أحضانها في وطنهم الأم ستظل مؤجلة.
تلك الأم التي خاضت معركة صبرٍ طويلة، عاشت خلالها سنواتٍ من الفقد والحرمان، تستقبل اليوم أبناءها المحررين، ولكنها تعلم أن المسافة بينهم وبينها ستكون أكبر من أي وقت مضى. فاليوم ليس كما كانت تتمنى، بل هو فرحٌ يحمل طعم الفراق، فرحٌ تنقضه القيود التي وضعها الاحتلال في وجه حلمها.
أم ناصر أبو حميد، التي لقبت بـ "خنساء فلسطين" نسبةً إلى صبرها وجهادها في مواجهة الاحتلال، تستقبل أبناءها اليوم في لحظة انتصار مريرة، هي لحظة تفيض بالمعاني التي لا تكتمل إلا بحضورهم إلى جانبها في وطنهم الذي اعتقلوا من أجله. ثلاثة من أبنائها الذي قضاهم في سجون الاحتلال، لا يدرون إلا المقاومة والنضال، واليوم يعودون، لكن على عكس ما كانت تأمل، سيبقون بعيدين عن أرضهم.
نصر أبو حميد، الذي أمضى 30 عامًا في سجون الاحتلال وهو محكوم بخمس مؤبدات، وشريف أبو حميد، الذي أُعتقل عدة مرات وأمضى تسع سنوات في السجون قبل اعتقاله الأخير، ومحمد أبو حميد، الذي حكم عليه بالسجن المؤبد مرتين و30 عامًا، هم اليوم أحرارٌ، لكن معلقين في وطنٍ مغتصب. فرحتهم اليوم لا تكتمل إلا بإعلان تحريرهم الكامل، ولكن الاحتلال كان له الكلمة الأخيرة، فإبعادهم خارج الوطن هو آخر فصول القمع والظلم.
ومع تحرير أبنائها، لا تنسى أم ناصر فقدان ابنها القائد ناصر أبو حميد الذي استشهد في نهاية عام 2022 إثر الإهمال الطبي المتعمد، ولا يزال الاحتلال يحتجز جثمانه حتى اليوم. كما تحزن على شقيقهم إسلام، المعتقل منذ 2018 والمحكوم بالسجن المؤبد، ليظل حلم الحرية والحياة على أرضهم صراعًا لا ينتهي.
إلى جانب كل هذه الأحزان، ترفع أم ناصر رأسها فخورًة، فهي لم تفقد الأمل أبدًا، ولا تزال تؤمن أن حق العودة لأبنائها ولشعبها قادم، مهما طال الزمن. "فرحة اليوم ناقصة، لكنها البداية"، تقول أم ناصر بحزم، لتثبت مرةً أخرى أنها الخنساء التي لا يثنيها الحزن عن مواصلة السير على درب النضال.