أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تهجير سكان قطاع غزة ردود فعل غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تفاعل معها محللون وصحفيون ومدونون من مختلف الاتجاهات السياسية، واعتبرها كثيرون تعبيرًا عن النهج الاستعماري الأمريكي الذي يتماهى مع السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
وبينما حاول ترامب تصوير التهجير كحل "إنساني" لإنقاذ غزة، رأى المعلقون أنه استمرار لمشاريع التطهير العرقي التي تستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، مؤكدين أن غزة باقية والمحتل إلى زوال.
غزة لن تمحى بقرار أرعن
انتقد الصحفي والمدون أحمد حسام تصريحات ترامب بحدة، مؤكدًا أن هذه الأفكار تعكس عقليته العنصرية ونهجه العدواني، حيث كتب: "من جديد، يظهر ترامب بوجهه الأكثر تطرفًا، متجاوزًا كل الحدود السياسية والأخلاقية، معلنًا نيته تهجير سكان غزة والاستيلاء عليها. هذه التصريحات ليست مجرد زلة لسان أو استعراض انتخابي، بل جزء من رؤية استعمارية تتماهى مع سياسات التطهير العرقي التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين."
وأضاف أن غزة التي صمدت أمام أعتى الآلات العسكرية لن تختفي بقرار من ترامب أو غيره، مؤكدًا أن محاولات اقتلاع الشعوب من جذورها محكوم عليها بالفشل.
سياسة ممنهجة
بدوره، حذر الكاتب والمحلل ياسين عز الدين من الاستهانة بتصريحات ترامب، معتبرًا أنها امتداد لسياسة إسرائيلية أمريكية تستهدف إنهاء القضية الفلسطينية عبر التهجير القسري وتصفية اللاجئين، حيث قال: "صرح ترامب قبل قليل أنه يقصد تهجير الفلسطينيين من غزة للأبد. هذه ليست هلوسات عجوز خرف، بل سياسة اليمين الإسرائيلي تترجم من خلال ترامب وإدارته؛ وهي تشمل توطين اللاجئين وتدمير المخيمات وإنهاء الأونروا وتهجير الفلسطينيين."
ووجه عز الدين انتقادات حادة للسلطة الفلسطينية والأنظمة العربية، معتبرًا أنها لا تملك الجرأة لمواجهة هذه المشاريع، بل قد تسهم في تنفيذها بطريقة غير مباشرة.
وحدة الفلسطينيين هي الحل
من جهته، رأى الكاتب حسين جمال أن تصريحات ترامب ليست جديدة، لكنها تتطلب ردًا فلسطينيًا موحدًا وقويًا، حيث كتب: "تحدث ترامب كثيرًا في ولايته الأولى عن صفقة القرن، وكان أكثر وقاحة من الآن، لكن تماسكنا كشعب فلسطيني أفشل الصفقة. نحن من نملك أن نقول نعم، ونحن من نملك أن نقول لا. المشكلة الآن تكمن في صناع القرار الفلسطينيين؛ عليهم أن يجدوا الطريق نحو الوحدة."
وأشار إلى أن السبيل الوحيد لإفشال هذه المخططات هو تجاوز المصالح الحزبية لصالح المصلحة الوطنية الفلسطينية.
الكاتب الصحفي قطب العربي وصف تصريحات ترامب بـ"البجاحة والعنجهية الاستعمارية"، مشيرًا إلى أن بعض الحكام قد ينصاعون له، لكن الشعوب العربية ستظل عصية على الكسر، حيث قال: "يمكن لبعض الحكام أن ينصاعوا لترامب، وأن يسارعوا بتلبية طلب استدعائهم إلى واشنطن لتلقي التعليمات بقبول تهجير أهل غزة، لكن الشعوب لا يرهبها كلام وتهديدات ترامب ونتنياهو، وستظل عصية على الكسر."
وأكد أن قوة الشعوب العربية قادرة على التصدي لمثل هذه المشاريع الاستعمارية، كما فعلت مع القوى العظمى في الماضي.
مشروع استيطاني جديد بواجهة اقتصادية
الصحفي باسل رفايعة سخر من تصريحات ترامب، معتبرًا أنه يحاول تسويق مشروع تهجير الفلسطينيين عبر "واجهة اقتصادية"، حيث كتب: "يريد ترامب تحويل غزة إلى 'ريفيرا الشرق الأوسط' عبر مشروع عقاري ترفيهي بأبراج شاهقة على البحر، وتهجير أهلها إلى الأردن ومصر، أو إلى أية 'أماكن أخرى'..! لا يمكنُ أنْ تكون الطرائفُ أكثر ضحكاً من رئيس لا يعرفَ الفرق بين 'غرينلاند' وغزة."
وأشار إلى أن هذه التصريحات لم تُثر فقط غضب الفلسطينيين، بل حتى الأمريكيين الذين تساءلوا عن سبب اهتمام ترامب ببناء مشاريع في غزة بينما تواجه الولايات المتحدة نفسها أزمات اقتصادية.
أما الصحفي نظام مهداوي، فاعتبر أن تصريحات ترامب تعكس تطابق السياسات الأمريكية والإسرائيلية، حيث كتب: "بكل صفاقة ووقاحة، يعلن ترامب عن نية بلاده السيطرة على قطاع غزة. هنا بالتحديد تتلاشى الفروقات بين أمريكا والكيان الإسرائيلي، فبعد أن عجز الاحتلال عن إخضاع الفلسطينيين وإجبارهم على التخلي عن المقاومة، رأت واشنطن أن تتولى المهمة بنفسها."
وأكد أن الفلسطينيين لن يسمحوا بتنفيذ هذا المخطط، مشيرًا إلى أن التاريخ أثبت فشل محاولات أمريكا للسيطرة على الشعوب، كما حدث في العراق وأفغانستان.
وأثبتت ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي أن محاولات ترامب لإعادة طرح مشروع التهجير قوبلت برفض واسع، سواء من الفلسطينيين أو من العرب وحتى بعض الأمريكيين. وبينما يحاول اليمين الإسرائيلي الترويج للفكرة على أنها "حل للأزمة"، فإن الفلسطينيين، بدعم من الشعوب العربية، يصرون على التصدي لها كما أفشلوا كل المشاريع السابقة.
غزة ليست مجرد بقعة جغرافية، بل عنوان لصمود الفلسطينيين في وجه كل محاولات الاقتلاع، وستبقى كذلك مهما تكرر خطاب التهجير.