كان على محمد دراغمة تحديدًا أن يقوم بعملية فدائية، فهو ليس شابًا فلسطينيًا عابرًا، وإنما شاب فلسطيني من مدينة طوباس، التي تعاني من انتهاكات الاحتلال، إلى جانب جنين وطولكرم ومناطق أخرى، منذ أكثر من أسبوعين، حيث تواجه الهدم والتشريد.
نشأ محمد في كنف عائلة عُرفت بتضحياتها الكبيرة ومقاومتها للاحتلال الإسرائيلي، فهو شقيق الشهيد القيادي أحمد دراغمة، أحد رموز كتيبة طوباس، ما جعله يتربى على قيم النضال والتمسك بالحق الفلسطيني. لم يكن محمد غريبًا عن طريق المقاومة، فقد نشأ في بيت شهد لحظات الفخر والتضحية. عاش حياة بسيطة، لكنها غنية بالإيمان بوطنه وقضيته. كان قريبًا من أصدقائه وأفراد عائلته، معروفًا بشجاعته وهدوئه، لكنه حمل في قلبه نار الثورة ضد الظلم والاحتلال.
في يوم العملية البطولية على حاجز تياسير، خرج محمد حاملًا سلاحه، ممتلئًا بالعزم، ومتقدمًا نحو الحاجز الإسرائيلي، حيث واجه الاحتلال بكل شجاعة. كانت تلك اللحظة تتويجًا لمسيرة حياته القصيرة والمليئة بالكرامة.
بعد تنفيذ العملية، ارتقى محمد شهيدًا، مخلفًا وراءه رسالة واضحة: أن الحرية لن تأتي إلا بالتضحية. كتب شقيقه كمال دراغمة على صفحته بفخر: "يا أحمد، استقبل محمد"، ليعكس تلك اللحظة المؤثرة التي توحد فيها الشقيقان في طريق الفداء والشهادة.
محمد دراغمة لم يكن مجرد شاب فلسطيني عادي، بل كان رمزًا للشجاعة والتضحية، ومثالًا لكل من يرفض الخضوع للاحتلال. ستظل قصته خالدة في ذاكرة أبناء شعبه، تُلهم الأجيال القادمة لمواصلة النضال من أجل فلسطين حرة.
في تفاصيل العملية، تسلل ذلك الفلسطيني ببندقية إم-16 ومخزني ذخيرة، سيرًا على الأقدام ليلًا، إلى المجمع العسكري عند حاجز تياسير على الطريق السريع 5799 بين حمامات المالح وقرية تياسير التابعة لمحافظة طوباس. نصب كمينًا للجنود عند الفجر، قبل الساعة السادسة صباحًا بقليل، بينما كانوا يستعدون لعمليات التفتيش يوم 4 فبراير 2025.
فاجأ المسلح الجنود الإسرائيليين، وتعرضت نقطة التفتيش في الحاجز، التي يحرسها 11 جنديًا احتياطيًا وقائدهم، لإطلاق نار كثيف. قُتل الجندي الأول الذي خرج من نقطة التفتيش على الفور عند مدخل الموقع، وتبعه جندي آخر. تلا ذلك معركة طويلة بالأسلحة النارية من مسافة قريبة، حيث أطلق المنفذ البطل النار من مدخل النقطة، بينما رد الجنود بإطلاق النار من داخل الغرف ومواقع الحراسة.
وبعد وصول التعزيزات، وبعد عدة دقائق من الاشتباك العنيف، ألقى أحد الجنود قنبلة يدوية، مما أدى إلى إصابة دراغمة، الذي كان يرتدي سترة واقية من الرصاص، ثم أجهز عليه جنديان آخران.
اعترف الاحتلال نفسه بذكاء منفذ العملية ودقة التخطيط والتنفيذ، حيث ذكرت إذاعة جيش الاحتلال أن منفذ الهجوم كان يملك معلومات استخبارية دقيقة بشأن الموقع وتحركات الجنود وأماكن تمركزهم. وكشفت القناة 12 الإسرائيلية أن تحقيقًا أوليًا كشف أن العملية وقعت في ساحتين، الأولى على حاجز تياسير، والثانية داخل البرج العسكري نفسه. وأظهر التحقيق أن إطلاق النار لم يكن من الخارج فقط، بل إن المنفذ نجح في اختراق البرج، وتحصن داخله، وأطلق النار منه على الجنود.
من جانبها، ذكرت القناة 13 أن منفذ العملية تمكن من السيطرة على الطابق العلوي من البرج وإدارة الاشتباك مع الجنود. وخلال الهجوم، حلّقت طائرة مسيرة تابعة للقوات الجوية الإسرائيلية، لكن الجيش الإسرائيلي قرر عدم استخدامها خشية إصابة جنوده داخل المجمع العسكري.
وقالت وسائل إعلام إسرائيلية إن الجيش أغلق الحاجز، وأرسل قوات كبيرة إلى المنطقة، التي تشهد عملية عسكرية إسرائيلية ضد المقاومة الفلسطينية، وسط تواجد عسكري مكثف. وأسفرت العملية عن مقتل رقيب أول احتياط وجندي من الكتيبة 8211 التابعة للواء أفرايم، إضافة إلى إصابة 8 جنود بجروح، بينهم اثنان في حالة خطرة.
يحاول الاحتلال، ولكنه لا يفلح، في القتل والتهجير والطرد من الضفة وغزة والقدس، وعلى مدار أكثر من سبعين عامًا لا يزال يحاول. لكنه، في كل مرة، يفشل، لأن هذا البطل دراغمة ورفاقه، ومن سيأتون بعده، حملوا على أكتافهم رايةً وتاريخًا طويلًا من النضال لا يمكن أن يُمحى