يواجه قرار السلطة الفلسطينية بوقف مخصصات الأسرى والشهداء والجرحى موجة سخط عارمة، حيث اعتبره حقوقيون وإعلاميون وسياسيون ونشطاء خضوعًا للضغوط الإسرائيلية والأمريكية، في وقت يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لحملة إبادة وتهجير غير مسبوقة.
الكاتب ياسين عز الدين وصف القرار بأنه "خضوع مهين" لإملاءات الاحتلال، محذرًا من أن الاستجابة لهذه الضغوط ستفتح الباب لمزيد من المطالب، وصولًا إلى طرد الأسرى وعائلاتهم من بيوتهم وتركهم بلا مأوى. وأضاف: "السلطة تثبت مرة أخرى أنها وكيل أمني للاحتلال، لا أكثر".
أما الصحفي والحقوقي ياسر عبد الغفور، فاعتبر أن القرار يأتي في سياق مخطط إسرائيلي مستمر منذ ما قبل الحرب على غزة، يهدف إلى ضم الضفة وفرض السيادة عليها.
وبين أن توجهات الاحتلال وإدارة ترامب من القضية الفلسطينية برمتها واضحة وجلية، ومخطط ضم الضفة وفرض السيادة عليها يجري تنفيذه من قبل الحرب على غزة، ويبدو أنه الآن في ترتيباته النهائية، والإبادة الجماعية في غزة مستمرة يزيد عليها الموقف الترامبي بالسيطرة والتهجير. ووجه انتقادات لاذعة للسلطة قائلًا: "وسط كل ذلك ما فائدة ما تفعله السلطة من إجراءات على الأرض أو إلغاء مخصصات الأسرى وذوي الشهداء وتحويل بعضهم إلى الشؤون الاجتماعية التي بالكاد تصرف. المشهد يقتضي تماسك المجتمع ومكوناته المختلفة لا ضرب أسس حواضنه الوطنية."
رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده، أكد أن السلطة لم تكتفِ بقطع المخصصات، بل حولت عائلات الأسرى والشهداء إلى "حالات اجتماعية هشة"، قائلا: "ليس دفاعاً عن السلطة الوطنية ولكن للحقيقة فإن السلطة لم تقم بوقف دفع رواتب عائلات الأسرى الأبطال في سجون الاحتلال فقط، بل قامت بتحويلهم لحالات اجتماعية هشة وضعيفة."
من جانبه، قال الإعلامي محمد أمين إن القرار يأتي في وقت خطير، حيث يُهجّر الاحتلال 40 ألف فلسطيني من شمال الضفة، ويواصل إبادته في غزة، متسائلًا: "هل تدرك السلطة ما تفعله؟ إن كانت تعي فالمصيبة عظيمة، وإن لم تكن تعي فالمصيبة أعظم!".
تحذيرات من توسع الاستهداف
الصحفي عيسى هريس حذر من أن الرضوخ لمطالب الاحتلال بشأن رواتب الأسرى والشهداء لن يكون الخطوة الأخيرة، مشيرًا إلى احتمال استهداف المعلمين لاحقًا بحجة تحريض الطلاب، ثم الأطباء والمسعفين لعلاجهم المقاومين، وصولًا إلى المؤسسات الرسمية الفلسطينية. وسخر من الفكرة قائلًا: "جاهل من يظن أن أحدًا يمتلك شهادة حسن سلوك عند سموتريتش!".
الدكتور محمد جابر وهو موظف بالسلطة، كتب على فيسبوك موضحا أنه بناء على قرار الرئيس، وحسب تعريف المؤسسة الوطنية للتمكين الاقتصادي وهي مؤسسة مستقلة، يعني أنه لا التزام من السلطة تجاه رواتب الأسرى والشهداء وسيكون هناك تمكين لأسرهم عن طريق مبلغ مقطوع او دعم بتمويل خارجي إن توفر لعوائلهم وليس من ميزانية السلطة الوطنية.
وتابع "عليه يرجى توضيح آليات التنفيذ ممن هم على علم لعلي أكون مخطئا، وإن كانت رواتبنا الكاملة ومستحقاتنا على حساب رواتب من هم أفضل منا فلا نريدها ونعيش معا على الكفاف بكرامة حتى فرج الله."
لم يكن قرار رئيس السلطة محمود عباس، بوقف مخصصات رواتب الشهداء والجرحى والأسرى، الوحيد الذي يستهدفهم من خلالها؛ بل سبقه مجموعة إجراءات اتخذها خلال السنوات الماضية.
في العام 2017 اتخذ رئيس السلطة محمود عباس قرارا بحل وزارة الأسرى التي كان يقف على رأسها آنذاك الوزير عيسى قراقع.
وحول الوزارة لهيئة تابعة في بداية الأمر لرئاسة الحكومة؛ ليكشف لاحقا تبعيتها لوزارة الداخلية.
وبموجب ذلك نقل عباس إدراج ميزانية الصرف من وزارة المالية لوزارة الشؤون الاجتماعية، لجانب مخصصات تفريغات ٢٠٠٥م.
بعد ذلك اتخذ عباس قرارا آخر يقضي بتجميد صرف رواتب ومخصصات الأسرى والشهداء، من البنوك الفلسطينية، وتحويل صرفها عبر البريد، وعن طريق شركة صرافة بغزة؛ التي أوقفت الصرف بشكل كامل خلال ١٦ شهرا من حرب الإبادة، بذريعة عدم توفر السيولة.
رافق هذا الإجراء قطع مخصصات الشهداء والأسرى والجرحى من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بشكل كامل، وزاد ذروة ذلك عام ٢٠١٨.
ورغم تدخلات عديدة من أطراف مختلفة، بينها دولة عربية؛ لكن عباس أوقف صرف الكانتينة عن المئات من الأسرى، تحديدا أسرى حماس والجهاد وغزة أيضا.
زاد عباس على ذلك إجراءات أخرى من قبيل وقف اعتماد أي عوائل للشهداء منذ العام ٢٠٠٨، وليس انتهاء بشهداء حرب الإبادة، وكذلك عدم احتساب الأسرى الجدد، تحديدا أسرى الضفة والقطاع الذين يعتقلون على خلفية أعمال مقاومة.
علمت الرسالة أيضا أن السلطة تبحث عبر مؤسسة الشهداء والجرحى، بدء صرف المخصصات عبر آلية جديدة، مع دفع زيادة بسيطة من مستحقاتهم القديمة.
إجراءات السلطة جاءت في وقت يشتكي فيه أسرى محررون، من حرمان عوائلهم مخصصاتهم المالية طيلة أعوام كاملة، خاصة خلال حرب الإبادة.
في ظل هذا التصعيد، يبقى السؤال الأبرز: هل تدرك السلطة خطورة هذه القرارات على النسيج الوطني الفلسطيني؟ أم أن الأمر مجرد خطوة جديدة في مسلسل التنازلات؟