قائمة الموقع

قدورة فارس.. صوت الأسرى الذي قررت السلطة إسكاته

2025-02-19T10:31:00+02:00
خاص- الرسالة نت

في قرار أثار استنكارًا واسعًا، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قرارًا بإحالة قدورة فارس، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، إلى التقاعد، بعد انتقاده مرسومًا رئاسيًا أثار الجدل بشأن مخصصات الأسرى والشهداء. لم يكن هذا القرار مجرد إجراء إداري، بل اعتبره كثيرون خطوة سياسية تستهدف أحد أبرز المدافعين عن قضية الأسرى، الذين كانوا دومًا في صلب النضال الفلسطيني.

من هو قدورة فارس؟

قدورة فارس ليس مجرد مسؤول حكومي، بل هو شخصية وطنية ارتبط اسمها على مدار عقود بقضية الأسرى، باعتباره واحدًا منهم قبل أن يصبح مدافعًا عنهم. وُلد فارس في بلدة سلواد قرب رام الله، وانخرط في النضال الوطني منذ شبابه، حيث اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي عدة مرات بسبب نشاطه السياسي. في سجنه، لم يكن مجرد أسير، بل كان مثقفًا ومناضلًا، ساهم في صياغة الفكر الوطني داخل الزنازين، وكان من القيادات التي عملت على تعزيز الوحدة الوطنية بين الفصائل داخل السجون.

بعد الإفراج عنه، استمر في نضاله السياسي والاجتماعي، حيث انضم إلى المجلس التشريعي الفلسطيني في انتخابات عام 1996، ممثلًا عن حركة فتح. تميز خلال فترة عمله البرلماني بدفاعه الصريح عن حقوق الأسرى الفلسطينيين، وكان من الأصوات التي لم تتردد في نقد أي تقصير في هذا الملف. ومع مرور السنوات، تولى رئاسة نادي الأسير الفلسطيني، ثم هيئة شؤون الأسرى والمحررين، حيث عمل على تحسين أوضاع الأسرى وعائلاتهم، ومواجهة الضغوط الإسرائيلية والدولية الرامية إلى وقف دعمهم.

دفاعه عن الأسرى كلفه الإقالة

لم يكن قرار إقالة قدورة فارس مفاجئًا تمامًا، فقد جاء بعد أيام من انتقاده العلني لمرسوم رئاسي أثار جدلًا واسعًا. هذا المرسوم، الصادر في 10 فبراير 2025، نص على إلغاء بعض المواد التي تضمن دفع مخصصات لعائلات الأسرى والشهداء والجرحى، ونقل هذه الملفات إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي.

فارس لم يتردد في التعبير عن رفضه لهذا القرار، معتبرًا أنه يمثل "تنكرًا لتضحيات الفلسطينيين" ويهدد استقرار آلاف العائلات التي تعتمد على هذه المخصصات في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة. في مؤتمر صحفي عقده بعد صدور المرسوم، أكد أن القرار سيؤثر على ما بين 35 إلى 40 ألف أسرة فلسطينية، مشيرًا إلى أن هذه العائلات ليست مجرد أرقام، بل هي جزء من النسيج الوطني الفلسطيني الذي دفع ثمنًا باهظًا في سبيل القضية.

وفي خطوة تحمل دلالة رمزية، علم فارس بقرار إقالته بينما كان يشارك في اعتصام أسبوعي لدعم الأسرى في رام الله. لم يتلقَ إخطارًا رسميًا، بل فوجئ بالخبر من وسائل الإعلام، مما يعكس الطريقة التي اتبعت في التعامل معه. ومع ذلك، لم يبدُ عليه الندم، بل أكد أن "القضية أكبر من المناصب، وأنه سيواصل الدفاع عن الأسرى بصفته مواطنًا فلسطينيًا، حتى لو لم يكن في موقع رسمي."

غضب واسع وانتقادات حادة

قرار الإقالة لم يمر مرور الكرام، بل قوبل بموجة استنكار واسعة من شخصيات سياسية وحقوقية وفصائل فلسطينية.

حركة حماس أدانت القرار بشدة، واعتبرته "انحرافًا خطيرًا عن الثوابت الوطنية"، مشيرة إلى أن السلطة الفلسطينية "ترضخ للضغوط الخارجية والإسرائيلية التي تسعى إلى وقف دعم الأسرى."

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وصفت القرار بأنه "ضربة للقيم الوطنية"، مشيرة إلى أن السلطة الفلسطينية "تتجه نحو تصفية كل الأصوات الحرة التي تدافع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني."

مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية حذرت من تداعيات القرار، حيث اعتبرته مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان "محاولة لتجفيف الدعم عن الأسرى وعائلاتهم، في سياق الضغوط الإسرائيلية المستمرة."

أما على الصعيد الشعبي، فقد شهدت الأيام التي تلت القرار وقفات احتجاجية في عدة مدن فلسطينية، حمل المشاركون فيها صورًا لقدورة فارس، ورددوا شعارات تؤكد على أن "حقوق الأسرى خط أحمر."

قدورة فارس: الصوت المستمر رغم الإقصاء

على الرغم من فقدانه لمنصبه الرسمي، إلا أن قدورة فارس لم يتراجع عن مواقفه. في تصريحات لاحقة، أكد أنه لن يتوقف عن الدفاع عن الأسرى، معتبرًا أن "القضية ليست مرتبطة بالمناصب، بل هي مسألة مبدأ وطني."

وأشار إلى أنه سيواصل عمله من خلال المؤسسات الحقوقية والمجتمع المدني، كما دعا قيادة السلطة الفلسطينية إلى مراجعة القرار وإيجاد حلول تحافظ على حقوق الأسرى وعائلاتهم دون المساس بالالتزامات السياسية.

ما حدث مع قدورة فارس هو مثال حي للصراع المستمر بين المبادئ الوطنية والاستسلام للضغوط السياسية من طرف الاحتلال والولايات المتحدة.

لكن قضية الأسرى لم تكن يومًا ملفًا ثانويًا في النضال الفلسطيني، بل هي في صلب الرواية الوطنية، حيث يمثل الأسرى رمزًا للتضحية والمقاومة.

اخبار ذات صلة