في بيانها الأخير، دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى احترام خصوصية الأسرى المطلق سراحهم وصون كرامتهم، حتى في الحالات التي تشمل تسليم رفات موتى، في إشارة إلى تسليم المقاومة الفلسطينية غدا جثث أربعة أسرى إسرائيليين ضمن الدفعة السابعة بصفقة تبادل الأسرى.
وقالت اللجنة في البيان إن أي معاملة مهينة أثناء عمليات إطلاق السراح أمر غير مقبول. ولكن هذه الدعوات تثير تساؤلات حول ازدواجية المعايير التي تنتهجها المنظمة في تعاملها مع الأسرى الفلسطينيين، الذين تعرضوا لمعاملة مهينة أثناء الإفراج عنهم، دون أن يصدر عنها موقف واضح يدين هذه الانتهاكات.
ازدواجية المعايير في التعامل مع الأسرى
يتساءل المراقبون: أين كانت هذه المبادئ حينما تعرض الأسرى الفلسطينيون، ومنهم الدكتور حسام أبو صفية، للتعذيب والتنكيل، كذلك تعرض الأسرى المحررين للضرب والإهانة أثناء الإفراج عنهم من سجون الاحتلال؟ لماذا لم تتحرك اللجنة الدولية عندما تم تسليم الأسرى الفلسطينيين في مشاهد مهينة، بينما تُشدّد في بيانها الأخير على ضرورة الحفاظ على خصوصية وكرامة الأسرى الإسرائيليين المطلق سراحهم في عمليات التبادل؟
انتهاكات وتواطؤ في غزة
منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، كان دور الصليب الأحمر موضع انتقاد واسع، خاصةً بعد انسحابه من شمال القطاع في وقت مبكر، ما أسهم في نشر الفزع بين السكان ودفعهم إلى الفرار دون مأوى.
كما لم يتحرك الصليب الأحمر عندما اعتقل الاحتلال مدير مستشفى الشفاء بعد خروجه بسيارة تابعة للمنظمة، حيث تم تسليمه دون أي مقاومة، ما أثار شكوكًا حول مدى التزام المنظمة بواجبها الإنساني.
في هذا السياق، أكد الباحث في شؤون الشرق الأوسط مصطفى الزاوتي أن الصليب الأحمر تقاعس عن أداء مهامه الأساسية، قائلاً: "لم نشهد أي دور حقيقي للصليب الأحمر في غزة إلا وفق الهوى والمزاج الإسرائيلي، حيث لم يسعَ لإدخال المساعدات الطبية، ولم يعمل على إنقاذ المستشفيات التي كانت تعاني من انقطاع الكهرباء رغم امتلاكه المولدات اللازمة".
دور استعراضي في تبادل الأسرى
خلال عمليات تبادل الأسرى الأخيرة، ظهر الصليب الأحمر كوسيط رئيسي، لكن كثيرين وصفوا دوره بأنه استعراضي أكثر منه إنساني. فقد تم تسليم الأسرى الفلسطينيين بطريقة مهينة، بينما كان دور المنظمة يقتصر على الإشراف الشكلي دون ضمان كرامتهم أو حمايتهم من الانتهاكات.
تحقيق مطلوب حول أداء الصليب الأحمر
بسبب هذا الأداء المشبوه، طالب ناشطون ومحللون بإجراء تحقيق مستقل حول أداء الصليب الأحمر في غزة، خاصةً بشأن انحيازه للاحتلال وعدم توفير المساعدات الكافية للمدنيين، فضلاً عن عدم اتخاذ أي موقف صارم تجاه جرائم الحرب التي وقعت أمام أعينه.
الكاتب الصحفي إياد القرا كتب على صفحته بفيسبوك: في الوقت الذي يُصدر فيه الصليب الأحمر الدولي بيانًا يدعو لاحترام خصوصية المطلق سراحهم وصون كرامتهم قبيل العملية المقبلة، نتساءل: أين كانت هذه الدعوات عندما تعرّض الأسرى المحررون للضرب والإهانة أثناء وبعد تسلّمهم من الاحتلال؟
وتساءل: كيف يمكن للجنة الدولية أن تغضّ الطرف عن مشاهد إذلال الدكتور حسام أبو صفيه وغيره من الأسرى المحررين، وأن تتجاهل مئات الشهادات حول الانتهاكات التي ارتُكبت بحق الأسرى؟
كما تساءل القرا: أليس هو ذات الصليب الأحمر الذي تباطأ وتستّر على جرائم الإعدامات الميدانية أمام أنظاره على الحواجز، وشاهد نساءً وأطفالًا يُعدمون دون أن يحرّك ساكنًا؟ أين كانت هذه اللجنة عندما تسلّمت مئات الجثامين للشهداء في مستشفيات ناصر والشفاء ورفح؟.
وعبر عن أسفه لأنه فيما يبدو أن الصليب الأحمر لا يتورّع عن لعب دور الأداة في يد الاحتلال، متناسيًا دوره الإنساني والأخلاقي الذي يُفترض أن يُمارسه بكل حيادية وعدالة.
هل فقد الصليب الأحمر حياديته؟
منظمة الصليب الأحمر التي تأسست عام 1863 للعمل بحيادية في مناطق النزاعات، تبدو اليوم بعيدة عن مبادئها الأساسية، حيث يُنظر إليها كأداة خاضعة للضغوط السياسية أكثر من كونها جهة إنسانية مستقلة. ويعتبر صمتها عن الإعدامات الميدانية والانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين، بينما تدعو لاحترام خصوصية أسرى الاحتلال، يكشف عن معايير مزدوجة تتناقض مع القيم التي تدّعي المنظمة الدفاع عنها.
وتبقى الحاجة ملحّة لمساءلة المنظمات الدولية التي تدّعي الحياد، بينما تمارس انحيازًا واضحًا على الأرض، فلا يمكن اعتبار الصمت موقفًا محايدًا حينما يكون الثمن كرامة وحياة الأبرياء.