في الوقت الذي يتنصل فيه الاحتلال من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أُبرم في 19 يناير 2025 برعاية مصرية وقطرية، ويحاول الضغط على الوفد المفاوض لحركة "حماس" للانصياع لشروط الإدارة الأمريكية و(الإسرائيلية)، ظهر المتحدث باسم القسام، أبو عبيدة، في خطاب مصوّر حمل رسائل مهمة.
أكد خطاب أبو عبيدة أن المقاومة، وعلى رأسها كتائب القسام، ملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار وصفقة تبادل الأسرى، محذرًا من محاولات الاحتلال التنصل من الاتفاق والعودة إلى العدوان على غزة، ومؤكدًا جاهزية المقاومة لكل الاحتمالات.
وشدّد أبو عبيدة، المتحدث العسكري باسم كتائب القسام، في كلمته المصوّرة، على أن المقاومة التزمت ببنود اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، متهمًا (إسرائيل) بالتنصل من الاتفاق للحصول على غطاء أمريكي للعودة إلى العدوان.
وأمام هذا التنصل، رفضت حركة "حماس" الطرح (الإسرائيلي) بتمديد اتفاق وقف إطلاق النار لـ42 يومًا إضافية دون التطرق إلى مسألة وقف الحرب، وفقًا لما نقلته هيئة البث (الإسرائيلية) "مكان".
رسائل واضحة للمفاوضين والوسطاء
يرى المحلل السياسي، ساري عرابي، أن خطاب أبو عبيدة حمل رسائل قوية لكل من الوفد المفاوض والوسطاء الراعين لاتفاق وقف إطلاق النار، إلى جانب كونه تهديدًا واضحًا للاحتلال والإدارة الأمريكية.
وأوضح عرابي، في حديثه لـ"الرسالة"، أن من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب تأكيد أبو عبيدة على جاهزية المقاومة لكل الاحتمالات، مما يعكس إعادة ترتيب صفوفها خلال فترة الهدوء، واستعدادها الكامل لصد أي عدوان على غزة.
وأضاف أن المعارك الأخيرة أثبتت قدرة المقاومة على المواجهة، حتى من نقطة الصفر، في أزقة وشوارع غزة، ما يعكس ضعف جيش الاحتلال.
كما اعتبر أن الخطاب وجّه رسالة واضحة للوفد المفاوض بضرورة الثبات وعدم الرضوخ لشروط الاحتلال، إلى جانب رسالة أخرى للوسطاء، لا سيما الإدارة الأمريكية ومصر وقطر، بضرورة إلزام الاحتلال بتنفيذ الاتفاق، خصوصًا أن المقاومة التزمت به، بينما تنصلت (إسرائيل) من التزاماتها.
وفي ردّه على تهديد رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، بالعودة إلى القتال، قال أبو عبيدة: "نحن في حالة جهوزية واستعداد لكافة الاحتمالات، والمقاومة لديها ما يؤلم العدو في أي مواجهة مقبلة، وتهديداته علامة ضعف وشعور بالمهانة، ولن يدفعنا ذلك إلا إلى مواصلة كسر ما تبقى من هيبته."
وشدد على أن السبيل الوحيد لإلزام الاحتلال هو التزامه بما وقّع عليه، محذرًا من أن أي تصعيد للعدوان سيؤدي إلى مقتل عدد من أسرى العدو، محمّلًا الاحتلال مسؤولية مصيرهم بسبب تنصله من التفاهمات.
خطاب في توقيت حساس
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي، إياد القرا، أن خطاب المتحدث باسم القسام جاء في توقيت حساس، محمّلًا برسائل متعددة تجمع بين التحذير من التصعيد، والتأكيد على الالتزام بالاتفاقات، والتمسك بمعادلة القوة في أي تفاوض قادم.
وأشار القرا، في حديثه لـ"الرسالة"، إلى أن خطاب أبو عبيدة خلال شهر رمضان حمل رسالة إلى العالمين العربي والإسلامي، مفادها بأن تحرير فلسطين جزء لا يتجزأ من نهضة الأمة.
وأضاف أن الخطاب انتقد التخاذل الحاصل في دعم القضية الفلسطينية، لكنه جاء هذه المرة بنبرة أشد حدة في العتاب، في ظل التصعيد المستمر.
تحذير واضح للاحتلال
وأكد القرا أن الخطاب حمل تهديدًا صريحًا للاحتلال، مفاده أن أي محاولة للتصعيد العسكري لن تحقق له مكاسب، بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة فيما يتعلق بملف المحتجزين.
وأشار إلى أن المقاومة، وعلى رأسها كتائب القسام، في كامل جاهزيتها، وأن أي تصعيد سيقابل برد قاسٍ يكسر ما تبقى من قوة الردع لدى الاحتلال.
وأضاف أن الخطاب يعكس استمرار استراتيجية المقاومة في فرض معادلة الردع المتبادل، ومنع الاحتلال من فرض قواعد اشتباك جديدة، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام المفاوضات، ولكن بشروط واضحة.
كما وجه الخطاب رسالة غير مباشرة إلى الولايات المتحدة والوسطاء، مفادها أن أي اتفاق جديد لن يكون ممكنًا إلا إذا التزم الاحتلال بالاتفاقات السابقة.
وأوضح القرا أن الخطاب يأتي ضمن استراتيجية الضغط المركب التي تعتمدها المقاومة، سواء عبر التصريحات الإعلامية أو المواقف الميدانية، حيث توازنت الرسائل بين التحذير والتأكيد على الجهوزية، مع إبقاء المجال مفتوحًا لأي حلول سياسية مشروطة.
واختتم حديثه قائلًا: "في المحصلة، وضع الخطاب الاحتلال أمام خيارين: الالتزام بالاتفاقات أو مواجهة تصعيد ستكون عواقبه غير مضمونة."
رسالة دعم للوفد المفاوض
من جهته، يرى الكاتب والصحفي، أحمد الكومي، أن خطاب أبو عبيدة جاء كرسالة دعم من غزة للوفد المفاوض، في مواجهة محاولات الاحتلال فرض وقائع جديدة بالتهديد.
وقال الكومي، في حديثه لـ"الرسالة": "الكتائب أعلنت اليوم بشكل واضح ومباشر أنها مستعدة لكل الاحتمالات، ما يعني أنها أعادت تموضعها، وتعافت، واستعادت جاهزية تشكيلاتها لمواجهة التهديدات، مع حرصها على استمرار الاتفاق وصولًا إلى وقف الحرب نهائيًا."
وأضاف: "هذا الموقف التفاوضي الصلب والمتقدّم أفشل العديد من المناورات والمحاولات للالتفاف على الاتفاق، وأثبت أن المقاومة لن تتراجع عن مواقفها، ولن تدخل في مسارات جديدة خارج الاتفاق القائم."
وأكد أن خطاب أبو عبيدة كان من أكثر الخطابات جرأةً في الرد على تهديدات الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، تجاه حركة "حماس" وقطاع غزة، خاصة فيما يتعلق بمخططات تهجير الفلسطينيين.
انتهاكات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار
ومنذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 19 يناير/كانون الثاني الماضي، استُشهد أكثر من 111 فلسطينيًا وأُصيب 916 آخرون في قصف الاحتلال، في خرق واضح للاتفاق.
وبموجب الاتفاق، الذي تنصل منه الاحتلال، كان من المفترض إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بمعدل لا يقل عن 600 شاحنة يوميًا، إضافة إلى السماح بوصول المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام وانتشال أكثر من 10 آلاف شهيد ما زالوا تحت الأنقاض.