مع تغطية اعلامية ضعيفة

مخطط تهجير ممنهج لمخيمات شمال الضفة وسط تواطؤ دولي

الضفة الغربية المحتلة- خاص الرسالة نت

تشهد شمال الضفة الغربية حملة تهجير ممنهجة تستهدف مخيمات اللاجئين ومدنها، ضمن مخطط إسرائيلي واسع يسعى إلى إحداث تغييرات ديمغرافية وجغرافية جوهرية في المنطقة.
 في مخيم جنين، كشفت مصادر عن تفاصيل خطة تهدف إلى تهجير الآلاف من سكان المخيم بشكل نهائي عن منازلهم، وإلغاء وجود وكالة "الأونروا" هناك، عبر إنهاء خدماتها في التعليم والصحة والمساعدات. كما يسعى الاحتلال إلى دمج المخيم بمدينة جنين وتحويله إلى حي تابع للمدينة، في محاولة لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين بشكل نهائي.

عقد الاحتلال الإسرائيلي اجتماعًا في مقر "الإدارة المدنية" بمعسكر "سالم"، مع ممثلين عن غرفة تجارة وصناعة جنين والبلدية، في خطوة تحمل دلالات واضحة على نواياه المستقبلية. خلال الاجتماع، عرض الاحتلال خططًا لفتح الأسواق وعودة النشاط الاقتصادي في المدينة، بشرط تنفيذ عمليات تنظيف وإعادة تأهيل للطرقات المدمرة بمساعدة شركات إسرائيلية، وهي خطوة رفضها ممثلو الغرفة التجارية والبلدية .

مخططات الاحتلال لم تتوقف عند مدينة جنين، إذ تشهد مخيمات أخرى مثل مخيم نور شمس شرقي طولكرم عمليات تهجير ممنهجة عبر هدم المنازل. خلال أسبوع واحد فقط، قام جيش الاحتلال بهدم 17 منزلاً في المخيم، مما تسبب بنزوح عشرات العائلات، التي لجأت إلى مناطق مجاورة في ظروف قاسية.
هناك  يجلس النازحون على تلال مقابلة للمخيم يراقبون جرافات الاحتلال وهي تهدم منازلهم، وسط مشاهد مؤلمة لذكريات تُمحى وبيوت تُزال. يقول ربيع خليفة، أحد المتضررين في هدم منزل خليفة الذي يحوي سبع شقق لسبع أشقاء وجدوا أنفسهم بلا مآوى : "هذا ليس مجرد منزل، إنه حياتنا. عشنا فيه طفولتنا وشبابنا، والآن لم يبقَ سوى الركام".

التطبيع الأمني لوجود الاحتلال في الضفة

يصف النازحون ما يجري بأنه تهجير قسري مخطط له، هدفه الأساسي تغيير الواقع الديمغرافي للمنطقة. يوضح أحد السكان المتضررين، أن المنازل المهدمة تضم عشرات الشقق، وكل شقة كانت تأوي عائلة أو أكثر. "اليوم نجد أنفسنا بلا مأوى، بينما تتراكم أكوام الركام فوق ذكرياتنا".

يؤكد مختصون أن هذه الإجراءات جزء من مخطط إسرائيلي أوسع يهدف إلى تدمير المخيمات والمدن الفلسطينية في شمال الضفة الغربية، كمقدمة لضم مستوطنات كبرى ضمن ما يُعرف بـ"القدس الكبرى". 
محمد جردات، المختص في قضايا الاستيطان، يشير في مقابلة مع الرسالة :  إلى أن تدمير مخيم جنين ونور شمس وطولكرم وغيرها من المخيمات يتم وفق خطة مدروسة تشمل هدم المنازل وتدمير البنية التحتية، مع إبقاء السكان في حالة دائمة من الضغط وعدم الاستقرار.

ويوضح جرادات أن خطة التهجير في الضفة الغربية هي جزء من مخطط جاد ومرحلي، يهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض. ويؤكد أن الخطوة الأولى في هذا المخطط هي ضم المجمعات الاستيطانية المحيطة بالقدس، وإقامة ما يُسمى "القدس الكبرى" التي تمتد حتى البحر الميت، وتشمل مستوطنات مثل معاليه أدوميم وعتصيون التي تربط بين الخليل وبيت لحم وصولاً إلى القدس. لتحقيق هذه الخطة، يرى جردات أن الاحتلال يسعى إلى كسر شوكة شمال الضفة من خلال تدمير المخيمات في جنين، نور شمس، طولكرم، الفارعة، ونابلس، مع الأخذ بعين الاعتبار الكثافة السكانية العالية في نابلس التي تجعل الهجوم عليها مختلفًا عن باقي المناطق.

ويضيف جردات أن الاحتلال يعمل على تدمير جنين وطولكرم بشكل تدريجي، مستهدفًا الأحياء المحيطة بالمخيمات مثل الجابريات، الغبس، الهدف، والزهراء. ويشير إلى أن هذه المناطق أصبحت ملاذًا للكثير من سكان المخيمات بعد تدمير منازلهم، لكن الاحتلال يواصل تهجير سكانها عبر هدم المنازل والسيطرة عليها، مما يجعل السكان يشعرون بأن بيئتهم أصبحت غير صالحة للعيش.

كما يلفت جردات إلى تصريحات واضحة من قبل مسؤولين إسرائيليين مثل بتسلئيل سموتريتش، التي تكشف عن خطوات تهدف إلى التطبيع الأمني لوجود الاحتلال في الضفة.

ومع ذلك، يعتبر جردات أن هذه السياسات تعكس أيضًا عنجهية الاحتلال، مشيرًا إلى حادثة دهس شاب فلسطيني على دوار الشهيد يحيى عياش مؤخرًا كجزء من تصعيد ممنهج. ويربط هذه المخططات بالسياق السياسي الدولي، حيث يرى أن الاحتلال يستغل الظروف التاريخية، بما في ذلك الدعم السياسي من إدارة ترامب، والتطبيع مع بعض الدول العربية، الذي وفر غطاءً سياسيًا وإقليميًا لهذه السياسات. كما يشير إلى ضعف موقف السلطة الفلسطينية في مواجهة هذا التصعيد.

ويحذر جردات من خطورة ما يجري على الأرض، مشيرًا إلى أن الاحتلال يعمل على تدمير البنية التحتية بشكل ممنهج. فقد تم تدمير ما يزيد عن 500 منزل بشكل كلي أو جزئي في جنين، مع تلغيم المنازل المهدمة لمنع عودة سكانها. ويؤكد جردات أن قرب مخيم جنين يوجد "كراج" واسع للجرافات الضخمة التي تستخدم في عمليات التهجير القسري.

من ناحية إعلامية، يرى جردات أن هناك تقصيرًا في تسليط الضوء على هذه الجريمة الإنسانية، مشيرًا إلى أن الأعمال المقاومة قد تراجعت نتيجة الضغط المشترك من الاحتلال والسلطة. ومع ذلك، يؤكد أن المقاومة، رغم ضعفها الظاهر، لا تزال تنمو ببطء في المناطق القريبة من المدن، مشددًا على أن الأيام القادمة قد تحمل مفاجآت كبيرة بسبب الطبيعة المتغيرة للوضع على الأرض. واختتم حديثه بالقول: "ما نراه اليوم هو دليل على تصميم الاحتلال على فرض واقعه، لكن الشعب الفلسطيني لا يزال متمسكًا بحقوقه، ولن يُثنيه شيء عن المطالبة بها".

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير