قلبت الحرب موازين الحياة في قطاع غزة، وغيرت أقدار العديد من المواطنين، وخلّفت وراءها آلاف القصص المؤلمة. لكن وسط كل هذا الألم، تبرز بعض القصص التي تحمل الأمل وتعيد توازن الحياة في المدينة المنكوبة.
واحدة من هذه القصص هي قصة رامي العروقي وزوجته إيمان فرحات، أم وأب لم يرزقا بطفل منذ زواجهما قبل 20 عاما، و قررا مع ازدياد أعداد الشهداء والأطفال اليتامى أن يتبنوا طفلاً أو طفلة، لعلهم يستطيعون إضاءة حياة طفل فقد عائلته بسبب الحرب، ولأنهما يدركا أن ذلك بات واجبا على كل فلسطيني في ظل هذه الإبادة التي خلفت عشرات الأطفال الأيتام.
في واحدة من زياراته المتكررة للمستشفيات والمراكز التي تستقبل الأطفال الأيتام ضحايا الحرب، توجه رامي العروقي إلى المستشفى الأمريكي في دير البلح. وفي هذا المستشفى، التقى بأطباء أخبروه عن طفلة لم يتعرف أحد على هويتها، كانت الناجية الوحيدة من عائلتها التي استشهدت جراء القصف. الطفلة كانت في عمر الثلاثة أشهر فقط، وعليه قرر رامي وزوجته إيمان التوجه فورًا لاستلام الطفلة ورعايتها.
تروي إيمان فرحات العروقي: "لم يكن لدينا تصور واضح عن شكل الطفل الذي سيصبح جزءًا من حياتنا. كل ما كنا نفكر فيه هو أن نساعد طفلاً على بدء حياة جديدة بين أحضان عائلة محبة. وعندما رأيت جنة، أحببتها فورًا. أحببت كل شيء فيها". وتضيف إيمان: "أحببت أن أسميها 'جنة'، شعرت أنه يليق تمامًا بكل القصة، فهي قد قلبت حياتنا إلى جنة حقيقية".
رغم كل الظروف الصعبة، لا يزال رامي العروقي يسعى لمعرفة الرواية الحقيقية لظروف استشهاد عائلة الطفلة جنة، كما يبحث عن أقاربها. فهو يدرك أن عائلات غزة لا تنسى أبناءها، وتعهد بأن يكون أبًا لها ويؤدي واجب الأبوة كاملًا، لعل ذلك يعوضها عن ما فقدته وهي لا تزال في صغرها. كما عوضته جنة عن السنوات التي عاشها هو وزوجته دون أطفال.
جنة ليست وحدها التي تجرعت ألم اليتم، فقد بلغ إجمالي عدد الأطفال الفلسطينيين الأيتام بسبب حرب الإبادة الإسرائيلية التي استمرت لـ471 يوما ضد قطاع غزة أكثر من 38 ألفا، فيما بينما ترمّلت نحو 14 ألف امرأة.
بلغ عدد الأطفال الذين فقدوا آباءهم 32 ألفا و152 طفلًا، بينما فقد 4 آلاف و417 طفلًا أمهاتهم، في حين وصل عدد الأطفال الذين فقدوا كلا الوالدين إلى ألف و918 طفلً.
في بداية الحرب، خسر رامي وزوجته منزلهما، واضطرا للجوء إلى الجنوب. مروا بظروف قاسية وصعبة، مثلهم مثل معظم أهل غزة. وبعد فترة، عادوا إلى الشمال حيث استقروا في منزل عائلة رامي.
هذه المرة، لم يكن المنزل فارغًا، بل أصبح منزلًا مليئًا بالحب والأمل بفضل الطفلة جنة التي أصبحت جزءًا من حياتهم، بل وقلبتها إلى جنة حقيقية.