قائمة الموقع

تقاليد رمضانية غيّبتها الحرب على غزة

2025-03-17T09:38:00+02:00
غزة - خاص الرسالة نت

في أزقة غزة الضيقة، كانت الأطباق الرمضانية تجوب الحارات قبل أن يحين موعد الأذان. هذه العادة، التي تناقلها الأجداد للأحفاد، لم تكن مجرد تبادل للطعام، بل كانت رسالة حب وامتنان وتآخٍ، تأخذ شكل صحنٍ مليءٍ بأطايب رمضان.

على مدار السنوات، كانت المائدة الغزية عامرةً بكل ما طاب من طعام، حتى في ظل الظروف الصعبة التي عاشها أهلها. فكان الواحد منهم يقتطع من طعام بيته ليُرسل طبقًا إلى الجيران، لا يُسأل أحدٌ عن حاله، ولا يُكشف عن الحاجة، فالمشاركة كانت سيّدة الموقف.

كانت النساء يتسابقن في تحضير الأطباق، وكل واحدة تحاول أن تقدم لجارتها أفضل ما في بيتها، حتى إن الأطفال اعتادوا هذا الطقس، فيهرولون قبل المغرب بقليل حاملين صواني الطعام، فيما يملأ الحارات دفءٌ خاص، يشبه دفء العائلة الواحدة.

لكن رمضان هذا العام ليس ككل رمضان، فالحرب التي عصفت بالقطاع لم تترك شيئًا على حاله، حتى هذه العادة، التي كانت تُضفي على الشهر الكريم بهجته، غابت عن المشهد، بل طمستها قسوة الواقع. قلة الغذاء، انعدام الغاز، ندرة العمل، وتدهور الأوضاع الاقتصادية جعلت كل أسرة بالكاد تؤمّن قوتها اليومي، فلم يعد من الممكن مشاركة الطعام كما كان الحال في السنوات الماضية.

سامية البيروتي كتبت على حسابها في فيسبوك: "في كل رمضان، كنت أحرص على تحضير صواني الكنافة والقطايف وإرسالها إلى الجيران، وكنت أستقبل منهم ما لذّ وطاب. لم يكن بيتي يخلو من أطباق الآخرين، ولم تكن أطباقي تعود إليّ فارغة يومًا. اليوم أشعر بالخجل، فأنا لم أرسل أي طبقٍ منذ بداية الشهر، بالكاد أستطيع إعداد وجبة بسيطة لعائلتي، وأطفالي يسألونني: لماذا لم نعد نرى الصحون تأتي وتذهب كما في الماضي؟"

ما يزيد الأمر قسوة أن بعض العائلات لا تتمكن حتى من إعداد الإفطار قبل الأذان، فمع نفاد الوقود، أصبح الطهي مهمة مرهقة قد تستمر إلى ما بعد أذان المغرب، فيضطر البعض إلى الانتظار حتى ينضج الطعام على نار الحطب أو باستخدام الوسائل البدائية. 
ومع هذا الوضع، لم يعد بإمكان الأسر التفكير في إعداد كميات تكفي لمشاركة الجيران، بل باتت الأولوية لما يكفي بالكاد لإطعام أفراد العائلة.

تقول الحاجة أم خالد، التي كانت تُعرف في حيّها بحبها لإعداد الولائم وإرسال الطعام لكل من تعرفه: "أشعر بالحزن حين أنظر إلى مائدة إفطارنا، ليس لأن الطعام قليل، ولكن لأن رمضان لم يعد كما كان. كنت أفرح برؤية الصحون وهي تنتقل من بيتٍ إلى بيت، أما الآن، فكل بيت أصبح منعزلًا، ليس لأن القلوب تغيّرت، بل لأن الأوضاع فرضت ذلك علينا."

رمضان غزة هذا العام صامت، لا صواني تنتقل بين البيوت، ولا وجبات دافئة تصل إلى الجيران، ولا أطفال يهرولون فرحين يحملون الطعام. الاحتلال لم يأخذ فقط أرواح الأبرياء، بل سرق من رمضان نكهته الخاصة، وجعل الشهر، الذي كان شهر التكافل، شهر العزلة. ومع ذلك، فإن الغزيين، رغم كل ما يمرون به، لا يزالون يحملون في قلوبهم تلك العادة، حتى وإن لم يتمكنوا من ممارستها، فإنها تبقى في انتظار أن تعود الظروف، فتعود معها صحون المحبة تجوب الحارات من جديد.

اخبار ذات صلة