تشهد (إسرائيل) هذه الأيام حالة من الغليان السياسي والقانوني غير المسبوق، بعد إعلان نية حكومة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو بدء إجراءات إقالة المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهراف ميارا، في خطوة يصفها مراقبون بأنها "طلقة أخرى" في صدر ما تبقى من (نظام الحكم الديمقراطي) الإسرائيلي، ومحاولة خطيرة لتصفية مراكز القوى التي تقف في وجه طموحات نتنياهو اللامحدودة.
وفي تطور دراماتيكي، أعلنت القناة 12 الإسرائيلية أن الحكومة ستبدأ اليوم في جلستها الرسمية بحث آلية إقالة المستشارة القضائية، بالتوازي مع تقارير عن خطوات مماثلة لعزل رئيس جهاز الأمن العام "الشاباك"، رونين بار، وسط معارضة واسعة من النخب القضائية والأمنية.
حملة دعم غير مسبوقة للمستشارة القضائية
ردود الأفعال لم تتأخر، إذ وقّع 45 مسؤولًا سابقًا في النيابة العامة الإسرائيلية على بيان مشترك يرفض المساس بالمستشارة أو رئيس الشاباك، معتبرين أن هذه الإجراءات تهدف إلى تفكيك جهاز إنفاذ القانون وتحييد المؤسسات الرقابية.
كما أوردت الإذاعة الإسرائيلية أن 19 قاضيًا ورئيسًا سابقًا للمحكمة العليا وجّهوا رسالة مفتوحة إلى الحكومة يطالبونها بالتراجع عن أي نية لعزل ميارا، مؤكدين أن هذه الخطوة تمثّل "اعتداءً صارخًا على استقلال القضاء وانقلابًا على روح القانون".
مظاهرات في تل أبيب وغليان في الشارع
في ساحة "هبيما" وسط (تل أبيب) بمركز الأراضي الفلسطينية المحتلة، احتشد آلاف المتظاهرين احتجاجًا على سياسة الحكومة، رافعين شعارات تطالب بالإفراج عن الأسرى، وأخرى تندد بمحاولات "نتنياهو تفكيك الدولة" عبر استهداف أركان المؤسسة القضائية والأمنية.
المحتجون عبّروا عن قلقهم من أن تكون هذه الخطوات مقدمة لفرض "ديكتاتورية مقنّعة" تحت غطاء قانوني، مطالبين بتدخل عاجل من المؤسسات الدولية للضغط على (إسرائيل) قبل فوات الأوان.
نتنياهو والفتك بما تبقى من الديمقراطية
في مقال لاذع نُشر في صحيفة هآرتس تحت عنوان "ماذا فعلتم عندما قام نتنياهو باغتيال الدولة؟"، كتب الصحفي الإسرائيلي أوري مسغاف أن (إسرائيل) تشهد انهيارًا تدريجيًا لكل آليات "الديمقراطية الدفاعية" التي وُضعت أصلًا لمنع صعود أنظمة شمولية عبر صناديق الاقتراع.
ورأى مسغاف أن نتنياهو يستخدم الأدوات الديمقراطية لتفكيكها من الداخل، تمامًا كما فعل النازيون في ألمانيا. وأضاف أن قرار إقالة المستشارة القضائية – الشجاعة في مواقفها، ولكن المترددة في حسم معركة تضارب المصالح – هو استكمال لانقلاب نظامي بدأ منذ تشكيل حكومة اليمين المتطرف في نوفمبر 2022.
الشاباك في مرمى نيران نتنياهو
المحللون يشيرون إلى أن استهداف رونين بار، رئيس جهاز الشاباك، جاء بعد تقارير عن شروع الجهاز في تحقيقات تتعلق بما يُعرف بـ"قضية قطر غيت"، التي قد تُحرج نتنياهو وحلفاءه.
ووفقًا لمسغاف، فإن نتنياهو أراد "استباق الخطر" بالإعلان عن نية إقالة بار، في محاولة لترويض الشاباك أو تحييده.
لحظة الحقيقة
الشارع الإسرائيلي اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فإما الخضوع لصيغة "ديمقراطية الواجهة" التي يروّج لها نتنياهو عبر قوانين الطوارئ وحرب "سلامة الحكم"، وإما المواجهة الشعبية الواسعة التي تشمل الإضرابات والاحتجاجات و"العصيان المدني" بحسب تعبير معارضيه.
ووسط هذا المشهد، يبقى السؤال الكبير مطروحًا: هل يتجه نتنياهو فعلاً نحو إقالة المستشارة القضائية، ضاربًا بعرض الحائط النظام القضائي؟ لتعزيز سيطرته المطلقة على الحكم، غير مكترث بأي تداعيات داخلية.