في اللحظات الأخيرة التي تلت استشهاد الصحافي محمد منصور، كان المشهد مؤثرًا جدًا. الصحافيون الذين رافقوا منصور في مهماته الصحفية طوال السنوات الماضية وقفوا حوله في صمت، يودعونه بألم وحزن، لكنهم أيضًا يقيمون له تكريمًا عظيمًا لما قدّمه من تضحيات في نقل الحقيقة للعالم.
وفي تلك اللحظة المهيبة، كان والد محمد منصور ممسكًا بالمايكروفون الخاص بقناة "فلسطين اليوم"، وعيناه غارقة في دموع الألم. كان يحمل المايك برفق، وكأنه يحاول أن يواصل مع ابنه الرسالة التي كان يروج لها طوال حياته الصحفية. رفع يده المرتجفة ليشد المايك ليتحدث بصوت حزين وقوي في ذات الوقت: "احكي يا با، قول للعالم، كمل الرسالة، والصورة، احكي كلمة حق في حضور سلطان جائر." كلماته كانت مثل النور الذي يشرق في قلب الظلام، حيث أصر الأب أن يكمل ابنه المسيرة التي بدأها رغم استشهاده.
وفي تلك اللحظة، وقفت والدة محمد منصور بجانب جسده الطاهر، تبحث بعينيها عن لمسة أخيرة لوجهه. كان وجهه مسجىً في صمت لا يُصدق، وفي لحظة ضعف ووجع شديد، همست والدته بصوت خافت، وكأنها تتحدث إلى قلبها: "مش مصدقة يا حمودة." كان الألم الذي يعيشه والديه لا يوصف، لكن في تلك الكلمات كان يعبر عن حجم الفاجعة التي ألمت بالعائلة والشعب الفلسطيني.
لقد استُهدف الصحافي محمد منصور داخل شقته بشكل متعمد من قبل طائرات الاحتلال، في قصف مروع على مدينة خان يونس، حيث كان يقيم مع زوجته وطفله. في تلك الليلة، استشهد منصور وزوجته، في استهداف مباشر وغير مبرر لوسائل الإعلام والصحفيين الفلسطينيين. وكما هي عادته في الميدان، كان منصور يعمل بلا توقف، مُجسدًا الشجاعة والتفاني في نقل الأحداث اليومية من قلب الحرب في غزة، ومُعرضًا نفسه للمخاطر والتهديدات طيلة فترة العدوان.
وارتفع بذلك عدد الشهداء الصحفيين إلى 207 صحفيين منذ بداية العدوان على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، مع هذه الجريمة الوحشية التي أودت بحياة الصحافي منصور وزوجته. وكشفت مصادر صحفية أن القصف الإسرائيلي جاء في وقت كانت الطواقم الصحفية في غزة تُواصل نقل معاناة المدنيين الفلسطينيين، في محاولة لفضح جرائم الاحتلال.
كانت عملية الاستهداف التي تعرّض لها منصور هي جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى إخفاء الحقيقة، فكل استهداف للصحافيين هو محاولة لتحويلهم إلى أهداف، فقط لأنهم يكشفون الحقائق عن واقع المعاناة في غزة. لقد سبق وأن تم استهداف العديد من الصحافيين، وعشرات الصحف والمرافق الإعلامية، في محاولة لطمس الحقيقة عن العالم.
اليوم، يبقى محمد منصور واحدًا من الأسماء التي سقطت في معركة الحق، معركة نقل الحقيقة. وكان استشهاده مع زوجته وأبنائه في تلك الغارة إشارة إلى مدى استهداف الإعلام الفلسطيني بكل مكوناته في غزة. لقد فقد الإعلام الفلسطيني أحد أبطاله المخلصين، لكن بصماته ستظل خالدة في كل قصة نقلها، وفي كل صورة، وكل كلمة كتبها.
ورغم الألم، ورغم الفقد، لا يزال والد محمد منصور يؤمن بأن رسالة ابنه ستستمر. "احكي يا با، كمل الرسالة". ستبقى هذه الكلمات، مثل شعلة في قلوب الصحافيين الذين يعملون ليل نهار في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية، وتذكيرًا لنا جميعًا بأن الحق لا يُخفيه القتل، بل يظل حيًا في كل كلمة، وكل صورة، وكل صوت يُسجل