في ذكرى يوم الأرض التاسعة والأربعين، تزداد الأرض الفلسطينية جراحًا، وتستمر معركة الوجود. منذ السابع من أكتوبر 2023، تتسارع عمليات الاستيطان في الضفة الغربية، وكأن التاريخ يعيد نفسه، والمستوطنون يلتهمون الأراضي ويحوّلونها إلى ما يشبه الأراضي المحتلة في دولةٍ لا حق لها في الوجود. أكثر من 52 ألف دونم استولت عليها قوات الاحتلال، وتخصيص 46 ألفًا منها في العام 2024 فقط، هي إحصاءات تكشف عن حجم المعركة التي تخوضها فلسطين ضد محو هويتها.
أوامر عسكرية مُطبقة تترجم على الأرض بإنشاء مناطق عازلة حول المستوطنات، فتنغلق الدوائر على الفلسطينيين، وتتقلص المساحات المتاحة لهم حتى تنعدم، في سياسة لا تترك مجالًا للعيش سوى في بقايا الوطن. هذه الإجراءات لا تُفشي فقط عن محاولات إسرائيلية للاستيلاء على الأرض، بل تعكس أيضًا سعيًا دؤوبًا للضغط على الفلسطينيين لتسليم أراضيهم، والنضال للبقاء في وطنهم يكاد يصبح جريمة لا تغتفر.
في ظلّ هذه المجريات المروعة، كان المستوطنون يواصلون إقامة بؤر استعمارية جديدة، بلغ عددها 60 نقطة استيطانية منذ بداية العدوان، ويقف هؤلاء المستوطنون كحجارة في وجه أحلام الفلسطينيين. بين مستوطنات وأبنية جديدة، يزداد عدد المستوطنين ليصل إلى 770 ألفًا، يتوزعون على 180 مستوطنة و256 بؤرة، تستولي على 42% من أراضي الضفة الغربية، وتغتال أحلام شعبٍ قد يعجز عن البقاء في أرضه.
إنّ التصعيد الإسرائيلي المدعوم من القوانين الدولية المنحازة يُحمل الشعب الفلسطيني مزيدًا من الخسائر. ففي كل يوم، تُسلب منهم قطعة من أرضهم وتضاف إلى مستوطنة أو نقطة استيطانية. إن سلب أكثر من 24 ألف دونم، التي كانت في فترة من الفترات تُعتبر أراضي "دولة"، يشير إلى تآكل كامل للحقوق الفلسطينية في أرضهم. ومع هذا الاستيلاء، تهدّد إسرائيل بتوسيع مستوطناتها على حساب أرواح المواطنين، وأما التخطيط لإقامة 268 مخططًا هيكليًا لصالح المستوطنات، فكان بمثابة إعلان حربي ضد كل ما هو فلسطيني.
أكد التقرير الصادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن الاحتلال استولى على أكثر من 24 ألف دونم بحجة "أراضي الدولة"، وهي واحدة من أكبر عمليات الاستيلاء على الأرض منذ ثلاثة عقود. كما أكد أن إسرائيل تضع يدها على 2382 كيلو مترًا مربعًا من الأراضي الفلسطينية، أي ما يعادل 42% من مجمل أراضي الضفة الغربية، و70% من المناطق المصنفة (ج)، وهي تلك التي تخضع بالكامل للسيطرة الأمنية والاحتلالية.
وتستمر التوسعات الاستيطانية في الضفة الغربية من خلال بناء مستوطنات جديدة وفرض قرارات تُسوي أوضاع المستوطنات القائمة. في العام 2024، جرى تسوية أوضاع 13 بؤرة استيطانية جديدة، ما يعكس نية الاحتلال في توسيع هذه المستوطنات على حساب الأراضي الفلسطينية.
من خلال مراجعة الخطط التوسعية، أكد التقرير أن الجهات التخطيطية في قوات الاحتلال درست 268 مخططًا هيكليًا لصالح المستوطنات في الضفة الغربية والقدس المحتلة، منها 173 مخططًا في العام 2024، و68 منذ بداية العام 2025. هذه الخطط تهدف إلى توسيع نطاق الاستيطان بشكل غير مسبوق، في سعي لتحويل الأرض الفلسطينية إلى مستوطنات تابعة للاحتلال، مستغلة الوضع القائم في الأراضي الفلسطينية.
ويستمر الفلسطينيون في تحديهم، مع علمهم أن يوم الأرض ليس مجرد ذكرى، بل هو دعوة للالتفاف حول المقاومة الفلسطينية، التي تعتبر السلاح الأشد فاعلية في وجه الاحتلال. إن محاولات الاحتلال فرض الأمر الواقع على الأرض لا تكسر عزيمة الشعب الفلسطيني، بل تُزيده إصرارًا على حماية أراضيه، وحماية المقدسات التي يراهن عليها الجميع.
يوم الأرض هو يوم التمسك بما تبقى من الأراضي، وعهدٌ جديد لا يتوقف عند حدود الذكرى، بل يتحول إلى أفعال على الأرض، وفي كل لحظة يستمر الفلسطينيون في مقاومة هذا الاستيطان المحموم، وفي الدفاع عن وجودهم في ظل التهديدات المستمرة من الاحتلال.