قائمة الموقع

جنازة تلو الأخرى.. الوداع الحزين من مستشفى المعمداني في غزة

2025-04-04T15:22:00+03:00
الرسالة نت - كارم الغرابلي

 وسط صمت ثقيل ودموع لا تجف، يتكرر المشهد ذاته في ساحة مستشفى المعمداني. جنازة تلو الأخرى، وأحباب يودعون أحبابهم، فيما تضيق الأرض بالألم، وتتسع السماء للأرواح الصاعدة.

لم تعد الدموع تكفي، ولم تعد الكلمات تقدر على وصف الفقد. هنا، في كل زاوية، حكاية وداع جديدة—صرخة أم، وانهيار أب، وطفل يحدّق في الأجساد المسجّاة بحثًا عن أمه، فلا يجد سوى جدران صامتة تحكي ما لا يُقال.

النعوش متشابهة، لكن داخل كل منها قصة مختلفة: أطفال لم يعرفوا من الحياة إلا القليل، أمهات غادرن قبل أن يضممن أبناءهن للمرة الأخيرة، رجال حملوا أحلامهم إلى القبور

في كل جنازة، أمّ تعانق الهواء بحثًا عن بقايا رائحة طفلها، وأب يدفن قلبه مع ابنه، وشقيق مذهول يحدّق في الجسد المسجّى، غير مصدّق أن من كان يضحك معه بالأمس قد رحل.

عند مدخل المستشفى، يجلس رجل مسنّ يحتضن حفيده الملفوف في الكفن الأبيض، يهدهده كما كان يفعل حين كان ينام على صدره. يهمس بصوت مبحوح: "استيقظ يا صغيري، لم يحن وقت النوم بعد..." لكن الصمت وحده يجيبه.

في زاوية أخرى، شابٌ يحدّق في الفراغ. قبل أيام فقط، كانت زوجته تحلم بمنزل يجمعهما، واليوم يقف أمامها للمرة الأخيرة، يمسك بيدها الباردة كأنه يرجوها أن تبقى للحظة أخرى. لكنها لا تجيب، والمشيّعون يسحبونه برفق... فقد حان وقت الرحيل.

على الرصيف، يجلس طبيب بعينين ذابلتين. قبل ساعات، كان يحاول إنقاذ من استطاع، أما الآن، فلا يملك إلا أن يشهد الرحيل. بجواره، زميله بزيّه الملطّخ بالدماء، يحدّق في المشهد، متسائلًا كم جنازة أخرى سيشهد؟ وكم مرة عليه أن يودّع دون وداع؟

وفي طرف المشهد، فتاة صغيرة تحتضن دميتها. لا تفهم الموت تمامًا، لكنها تدرك أن والدها لن يعود لحملها مجددًا. تشدّ على دميتها كأنها آخر ما تبقى لها، وتهمس بخوف: "هل سنرحل نحن أيضًا قريبًا؟"

على وجوه المشيّعين، ملامح الحزن ممتزجة بالغضب، وأصوات التكبير تختلط بالعبرات المكتومة. لا فرق بين صغير وكبير، فجميعهم صاروا أسماءً في قوائم الوداع، وجميعهم رحلوا قبل أن يروا النور من جديد.

في غزة، الموت ليس مجرد خبر عابر. إنه حكاية تتجدد كل يوم، وجنازة أخرى تغادر مستشفى المعمداني، حاملة وجع مدينة بأكملها... مدينة لا تعرف إلا الفقد، ولا تجد إلا الصبر سبيلًا.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00