ليلة واحدة من الإبادة في شرق غزة... هكذا يفعل الاحتلال

نزوح عائلات فلسطينية من شرق مدينة غزة
نزوح عائلات فلسطينية من شرق مدينة غزة

الرسالة نت- خاص

في يومٍ جديدٍ من المحرقة، كان حي الشجاعية شرقي مدينة غزة ينتظر قرارًا جديدًا بإخلائه من أهله، موعدًا جديدًا للركض هربًا من الموت، ربما رحيل الأهالي من شرق غزة للمرة الخامسة عشر أو العشرين.
لم يكن ذلك الليل مختلفًا عن ما سبقه، سوى أن القصف الإسرائيلي بلغ حد الجنون، حتى خشي الناس الخروج من خيامهم التي تمزقت تحت وطأة المدفعية، وأصبح الهواء مشبعًا برائحة البارود، والصراخ، والغبار.
لكنهم كما يفعل البشر خوفًا على أطفالهم خرجوا، رغم أن البعض وصل إلى مرحلة من التعب جعلته يصر على البقاء، وفتح أبوابه للشهادة، لأنه لم يعد يطيق ترحالًا آخر، وحمل الخيام من مكان لآخر.

منذ فجر الأمس، كانت طائرات الاحتلال تحلّق على علو منخفض، ثم تنقضّ فجأة على أهداف مدنية، في غارات جوية همجية استهدفت المنازل الآمنة. يقول الأهالي إنهم سمعوا أصوات انفجارات لا تشبه أصوات الصواريخ التي يستخدمها الاحتلال منذ عامين، وكأن هناك أسلحة من نوع آخر جديد بدأ بتجربتها على غزة، كما يفعل منذ عامين، مخترقًا كل القوانين الدولية والإنسانية.
عند شارع وادي العرايس، استُشهد الشقيقان التوأمان، عماد ومحمد الحاج سالم، الأول ممرض، والثاني مهندس، بعد أن مزقتهما قذيفة وهما في طريقهما لتقديم المساعدة. لم تكن تلك الضربة الوحيدة، فقد لقيت امرأة وطبيب مصرعهما أيضًا في قصف غادر على منزل بالحي ذاته.

المجزرة لم تتوقف. المسيرات الإسرائيلية فتحت نيرانها في كل اتجاه، وأصابت امرأة على مفترق الشجاعية، بينما ألقت طائرة كواد كابتر قنابلها على المدنيين بالقرب من مسجد الهدى. خلف سنترال الاتصالات في سوق الجمعة، قصف مدفعي دمّر منزل عائلة أبو العطا، مخلفًا ثلاث إصابات بين خطيرة ومتوسطة.
وفي حي الزيتون المجاور، تعرضت منطقة المصلبة لغارات جوية متتالية، وقُصفت منازل، من بينها منزل عائلة السلاخي قرب مدرسة عين جالوت، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى.

لم تكن الشوارع آمنة، فقد سيطرت قوات الاحتلال بالنار على شارع المنطار والمنصورة، بينما خضعت منطقة وادي العرايس وبيارة الحاج عادل الشوا لنيران المدفعية والمسيرات. كل من يفكر بالتحرك في هذه الرقعة محكوم عليه بالموت.

وفي مشهد يعكس نوايا الاحتلال الإجرامية، وُجهت أوامر واضحة للأهالي بإخلاء مناطق الشجاعية والزيتون، بل كل المناطق الشرقية لمدينة غزة. طلبوا منهم المغادرة، وكأنهم يمنحونهم فرصة نجاة، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك. فبعد هذه "التحذيرات"، بدأت الآلة الحربية الصهيونية بهدم ما تبقى من البيوت، واستهداف كل من تبقى من البشر. من لم يمت تحت القصف، تلاحقه المسيّرات والقناصة، ومن حاول الهرب، لا يجد وجهة آمنة.

الواقع الإنساني في الشجاعية كان أشد قسوة. عشرات العائلات، معظمها من النساء والأطفال والمرضى، محاصرون وسط هذا الجحيم، يناشدون النجدة دون مجيب. في ظل هذا القصف، انقطعت المياه بعد أن دمّر الاحتلال خط "ميكروت"، ما أدخل الحي في أزمة عطش خانقة. البلدية ناشدت، والنداءات علت، لكن لا حياة لمن تنادي.

أكثر من مليون طفل في غزة حُرموا من المساعدات المنقذة للحياة لأكثر من شهر، حسب تقارير اليونيسف، وأكدت أن منع المساعدات جريمة حرب، عواقبها كارثية على الأطفال. والواقع أن انهيار الهدنة مؤخرًا بسبب عدم احترام الاحتلال للاتفاقيات الموقعة تسبب في موجة نزوح جديدة، ضحاياها أكثر من 142 ألف إنسان بين 18 و23 مارس وحدها.

وبينما يُسجّل في الإحصائيات استشهاد 60 فلسطينيًا خلال 24 ساعة فقط، كان حي الشجاعية يعاني للمرة الثالثة منذ بدء الحرب عام 2023 من عملية عسكرية تُبيد كل شيء.

إنها ليست مجرد منطقة جغرافية، بل عنوان لجريمة تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم. في الشجاعية، الحياة باتت معلقة بين أنقاض، والأمل صار رفاهية لا يملكها المحاصرون، فيما تستمر المحرقة بصمت عالمي مخزٍ.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير