قائمة الموقع

على أرصفة الحزن .. حكاية الفقد في غزة 

2025-04-07T14:20:00+03:00
على أرصفة الحزن .. حكاية الفقد في غزة 
الرسالة نت - كارم الغرابلي 

على الأرصفة التي ضاقت بالحزن، امتدت صفوف النعوش الصغيرة، تلفها الأقمشة البيضاء، كأنها أسرّة نوم لم تكتمل عليها الأحلام. 

في باحة مستشفى المعمداني، لم تعد الأجساد البريئة تحتضن الحياة، بل حملتها الأذرع المرتجفة نحو وداع لا يليق بطفولة.

واستشهد أمس تسعة أطفال، وأصيب آخرون بجروح متفاوتة، في غارات وقصف مدفعي من قبل الاحتلال المجرم الذي استهدف، مساء الأحد، حي التفاح شرق مدينة غزة.

 كما استشهد ثمانية مواطنين، وأصيب آخرون بجروح متفاوتة، غالبيتهم من الأطفال والنساء، إثر قصف طيران الاحتلال الإسرائيلي منزلاً لعائلة "أبو عيسى" في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة.

فيما كان الألم يكتسح المدينة، تخللت الأجواء صيحات الأمهات وأنين الأرض، وعلت أصوات البكاء كأنها نشيد وداع جماعي. 

العيون ذاهلة، والقلوب مثقوبة، فيما الأطفال يغادرون بصمت، كأنهم لا يريدون إزعاج العالم أكثر. 

كانت الجنازات قصيرة كأعمارهم، موجعة كصوت أول بكاء لم يلحقه ضحك. والسماء من فوقهم، وحدها، بدت أقرب إلى الدموع. 

في كل زاوية، حكاية مبتورة، وحلم انطفأ قبل أن يُحكى. أصوات الوداع تخفت، لكنها لا تنتهي، لأن الألم لا يرحل مع الأجساد، بل يبقى، ينام في العيون، ويتنفس في كل لحظة تمرّ بلاهم.

في زاوية المكان تمسك  أمّ برائحة طفلهتا العالقة في قطعة قماش، تضغطها إلى صدرها كأنها آخر ما تبقّى من حياة. وأب ينظر إلى السماء، كمن يسألها بصمت: لماذا لم تحمِهم؟ لماذا لم تكن كفاك أوسع من هذا الموت؟

على مقربة من الجدار، جلست جدة ترتجف، تنظر إلى الفراغ بعينين ذابلتين، تهمس بأسماء من رحلوا وكأنها تكتب بهم صلاة أخيرة. لم يكن في صوتها بكاء، بل رجاء متعب، ونغمة الحنين التي لا تهدأ.

وفي آخر الرصيف، حيث انتهت النعوش، بدأ الزمن يتوقف قليلًا، كأن الحزن أثقل عقارب الساعة، وكأن الأرض ترفض أن تستمر بالدوران قبل أن تنصف أرواحًا لم تُعطَ حق الحياة

مرّت ممرضة بخطى بطيئة، تحمل ما تبقّى من ذكريات: لاجساد غضة باسمٍ لم يعد يُنادى، صورة من جهاز التصوير، قطعة حلوى كان طفل يخبئها في جيبه. تفاصيل بسيطة، لكنها الآن تزن ذاكرة وطن.

في الزوايا، كان بعض الأطفال لا يزالون يحملون دُمى مكسورة في أيديهم، ملابسهم ملوثة بغبار الأيام الماضية. كانت عيونهم غارقة في وجع العيش قبل الرحيل، وكأنهم يريدون أن يخبروا العالم أن ما يحدث هنا هو أكبر من كل كلمة، أكبر من كل تفسير.

لكن الصوت الذي علا من بين هذه الجنازات كان هو نفسه: البكاء والأنين والصراخ . لكن هذا البكاء كان يختلف عن أي بقاء آخر؛ إنه بقاءُ روح فقدت جزءاً من نفسها ولا تدري كيف تستمر. "أين أطفالي؟ أين هم؟" صرخات أمهاتٍ لا يخففها سوى إيمانهن بأنهم في مكان أفضل، ولو أن هذا "المكان الأفضل" لم يكن ذا طعم في قلوبهن.

تدفقت الجموع مع الجنازات الصغيرة في صمتٍ غريب، وكان كل فرد في الحشد يحمل على صدره ثقل الفاجعة. كانت الحياة تتناثر معهم، وتتبعهم خطوات على الطرقات الترابية الملوثة بالدماء. هؤلاء الأطفال الذين تركوا أثراً من البسمة في بيوتهم، تركوا الآن أثراً من الحزن العميق في قلوب من أحبهم.

كانت الأمواج البشرية تجرف النعوش الصغيرة، كأنها تحاول أن تضغط الزمن للعودة، لكن الزمن لم يكن ليعود. ولا شيء كان سيعيدهم، حتى لو علت السماء بالصراخ.

في اللحظة التي توارى فيها الأطفال عن الأنظار، ظل الصوت الوحيد الذي يبقى في قلب هذا المكان هو الألم المستمر. 

كانت الأكفان البيضاء تشيعهم، وتدفعهم نحو حياة أخرى، حياة بعيدة عن القذائف، عن الدماء، عن الخوف. تلك كانت حياة أخرى، ولكنها بدونهم.

وها هو العالم يشهد هذا الوداع الفظيع، مع غياب كامل لأي إجابة على سؤال كبير: لماذا؟ لماذا يجب أن يكون الأطفال هم أول من يرحل؟ لماذا يحملون عبء الحروب وهم لا يفهمونها؟

ووسط كل هذا، كان صمت المدينة هو الصوت الوحيد الذي يواسي القلوب الكسيرة. صمتٌ خانق، لا ينطق إلا بالألم والخيبة، في مدينةٍ لا تعرف كيف تنسى، ولا كيف تسكن الجراح.

ثم، بهدوء، بدأ الجمع يتفرق، لا لأن الوداع انتهى، بل لأن القلب لم يعد يحتمل أكثر. خلف كل عين تنظر إلى الأرض، هناك قلب ينزف، وذاكرة تغلق على مشهد لن يُنسى.

وفي الباحة، بعد أن رحل الجميع، بقي الصمت وحده، يلف المكان كما لفّت الأكفان الأجساد الصغيرة. هناك، حيث انتهى الوداع، بدأ الحزن يسكن إلى الأبد.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00