في زاوية منسية من خريطة الدمار، وعلى أطراف مدينة خانيونس، كانت التكية الخيرية في منطقة المواصي تمثل أكثر من مجرد مكان لتوزيع الطعام؛ كانت ملاذًا للجائعين، فسحة أمل يومية لآلاف العائلات التي فقدت كل شيء سوى رغيف الخبز وكرامة الانتظار.
لكن حتى هذا الأمل البسيط لم يُكتب له البقاء. ففي ظهيرة قاتمة اليوم، اخترقت صواريخ الاحتلال الصهيوني سكون المكان، واستهدفت التكية وارتقى ٧ شهداء بينهم أطفال .
هذه هيالمرة الرابعة التي يستهف فيها الاحتلال تكيات الطعام منذ منتصف مارس. وفي تلك اللحظة الحاسمة، تغيرت مصائر البشر؛ فقد سقط محمود سويلم سلمي الكريمي وابنه يحيى وهما يحمّلان وجبات الطعام للناس المنتظرين.
وكانت الطفلة بلسم، التي كانت تركض بحماسة لتوزيع الأكياس على الأطفال، قد خطفت ضحكتها لتغمرها لحظة صمت أبدي تحت الركام.
لم تكن دعاء جمعة محمد يحيى، تلك الطفلة التي لم تتجاوز الثامنة من عمرها، تتخيل أن الوجبة التي جاءت لتأخذها مع أمها ستكون آخر ما تتذوقه في حياتها. وكان محمد رائد مطيع عرفات، الشاب الذي تطوع في التكية بعد فقدانه لأسرته، يحاول بيداه المتهدّجتين رسم بصيص أمل وسط ظلام القصف.
وفي ركن آخر من المشهد، لم يكن محمود عبد الرحمن محمد عقل يعلم أن هذه الوجبة ستكون الأخيرة التي يساهم من خلالها في تنظيم الطوابير، بينما لم تكن الطفلة دعاء محمد حامد أبو جامع، تلك الزهرة الصغيرة التي لم تكتمل ربيعها، لتستشعر طعم الحياة.
ومنذ فجر اليوم، حملت غزة في طياتها حزناً لا يوصف، إذ سُجل ٤٣ شهيداً منذ بداية الصباح، علامة أخرى على استمرار الإبادة في قلب هذه الأرض.
تضافرت دموع الأحبة مع رائحة الدخان، وتحولت التكية، التي كانت يوماً ما منبرًا للأمل، إلى شهادة دامية على جريمة لا مبرر لها؛ جريمة تستهدف حتى ما تبقى من طعام في قطاع غزة .
هذا الاستهداف ليس جديدا, فمنذ بداية حرب الإبادة استهدف الاحتلال ٢٦ تكية طعام و٣٥ مركزا للمساعدات
في منهجية واضحة؛ هدفها قتل ما تبقى من طعامنا.