في الوقت الذي تغرق فيه غزة بالدمار، ويئنّ أهلها من الجوع والحصار، تتكشف فضيحة جديدة تهزّ الضمير الفلسطيني وتسلّط الضوء على طبقة مستفيدة تتغذى على جراح المنكوبين. اتهامات ثقيلة لمتنفذين تتعلق بتقاضي مبالغ طائلة لتنسيق دخول شاحنات المساعدات إلى القطاع، وسط تواطؤ إسرائيلي وتعتيم رسمي.
رئيس غرفة تجارة وصناعة غزة، عائد أبو رمضان، أزاح الستار عن أرقام مذهلة، كشف فيها أن نحو 330 مليون دولار دُفعت خلال هدنة امتدت 40 يومًا، كثمن لتصاريح دخول الشاحنات الإنسانية إلى غزة. لكن هذه المبالغ لم تذهب لتمويل الإغاثة، بل ذهبت – حسب قوله – إلى "مافيا تجار الحرب" في غزة، الضفة الغربية، ومصر، وكل ذلك "بعين الرضا" من سلطات الاحتلال.
"تكلفة تنسيق الشاحنة الواحدة وصلت إلى 80 ألف شيكل، وبعضها قفز إلى 500 ألف شيكل"، يقول أبو رمضان، مضيفًا أن الاحتلال هو من يتحكم في القوائم ولا يعلن أسماء الجهات المستفيدة ولا كميات البضائع الداخلة.
اتهامات موثقة: سرقة وسط الجوع
هذه المعلومات الصادمة أعادت إلى الواجهة وثيقة رسمية متداولة وجّهها تاجران من غزة إلى رئيس جهاز المخابرات العامة، اللواء ماجد فرج، كشفت تورط أنس ومحمد الهباش في عمليات نصب واستيلاء على مبالغ مالية وصلت إلى 435,660 شيكل، بدعوى تنسيق دخول مواد غذائية عبر معبر كرم أبو سالم. رغم تسلم الأموال، لم تصل البضائع، واستمرت المماطلات.
الوثيقة التي انتشرت بشكل واسع على مواقع التواصل تصف تفاصيل دقيقة للصفقة، بما في ذلك تواريخ التحويلات، لقاءات تمت في فندق الماسة بالقاهرة، وأسماء وسطاء، لتشكل – بحسب مراقبين – دليلاً دامغًا على تورط مباشر لعائلة الهباش في شبكات التنسيق المظلمة.
النفوذ عائلي... والتعيينات مكافآت
لا تتوقف القصة عند المال، بل تمتد إلى شبكة من التعيينات والمحسوبيات داخل مؤسسات السلطة، ساعدت في ترسيخ نفوذ العائلة. أنس الهباش، الحاصل على 53.2% في الثانوية، حصل على منحة رئاسية للدراسة، وعُيّن مباشرة بعد تخرجه في النيابة العامة، ليصبح لاحقًا وكيل نيابة براتب يتجاوز 10 آلاف شيكل. شقيقتاه تشغلان مناصب مرموقة، بينما عيّن والدهم صهره مساعدًا له في الشؤون المالية.
ثروات في ظل الحصانة
طارق عباس، نجل الرئيس، خسر مؤخرًا قضية رفعها ضد مستشرق إسرائيلي اتهمه بالفساد والتعاون مع الاحتلال. القضاء الإسرائيلي لم يكتفِ برفض الدعوى، بل ألزم طارق بدفع 20 ألف شيكل، مؤكدًا أن الاتهامات ليست قدحًا، بل "حقائق تم تحريفها إعلاميًا".
طارق، الذي يمتلك مجموعة شركات أبرزها "سكاي للإعلان"، تقدر أرباحه بملايين الدولارات، وفق تقارير عبرية و"وثائق بنما". هذه الشركات تسيطر على قطاعات مهمة مثل الإعلانات، الألمنيوم، السيارات، التوريدات الطبية، وحتى تخزين الأغذية، وكلها تنشط في بيئة محمية باتفاقات سياسية واحتكارات تجارية منذ نشأة السلطة.
السلطة صامتة.. وهيئة مكافحة الفساد غائبة
ورغم ضخامة هذه الاتهامات، لم يصدر أي تعليق رسمي من السلطة الفلسطينية، فيما تلتزم هيئة مكافحة الفساد الصمت، في وقت يرى فيه مراقبون أن الهيئة أصبحت أداة شكلية ضمن منظومة الحماية للعائلات النافذة، بدلًا من أن تكون ضامنًا للنزاهة والعدالة.
في غزة، لم تدخل مساعدات منذ أكثر من 40 يومًا. المياه ملوثة، السلع الأساسية شبه معدومة، والأسعار تضاعفت عشرين مرة. ومع كل ذلك، هناك من يربح من الخراب، ويُثري على حساب أرواح الأطفال الجياع.
"اقتصاد الدماء" لا يُدار فقط من الاحتلال، بل من "أبناء المسؤولين" الذين اختاروا الربح بدل الشرف، والتنسيق بدل المروءة.
وفي ظل غياب المساءلة وتواطؤ الاحتلال، يبقى الأمل الوحيد في صحوة شعبية تقف في وجه هذه المافيات، وتعيد الحق لأصحابه في غزة.. حيث الحياة لا تزال تحاول النجاة من بين أنقاض القيم والأخلاق.