كان الليل يُسدل ستاره فوق قطاع غزة المثقل بالجراح، حين باغتت طائرات الاحتلال خيمة أخرى تأوي النازحين، وكأنما حتى الهواء الذي يتنفسه هؤلاء المساكين بات هدفًا للقصف. في بلدة جباليا شمالي القطاع، وقعت جريمة جديدة تُضاف إلى السجل الأسود للاحتلال، حيث استهدفت خيمة عائلة عسلية التي لجأت إليها هربًا من القصف، ظنًا منها أن قطعة القماش تلك قد تحمي أحلام أطفالها الصغيرة.
في تلك الليلة المروعة، كانت خديجة عسلية (28 عامًا) تحاول تهدئة صغيرها رائد (9 أعوام) الذي كان يبكي من شدة الخوف. إلى جانبها، كانت رهف (12 عامًا) تضم دميتها المهترئة وكأنها تمنحها الأمان، بينما جلست جملات (13 عامًا) بالقرب من شقيقها وافي (عام ونصف)، تُهدهده بحنوّ الأم رغم صغر سنها. الجميع كانوا ينتظرون الصباح بفارغ الصبر، لكنهم لم يعلموا أن الطائرات الحربية ستخطف أرواحهم قبل أن يشرق الضوء.
انفجار مدوٍّ قطع السكون، ليحوّل الخيمة الصغيرة إلى كومة رماد. استُشهد غسان عسلية (32 عامًا) وزوجته خديجة وأطفالهما السبعة، تاركين خلفهم مأساة تلخص وحشية الحرب. أسماء الأطفال الذين قُتلوا تُمزق القلوب: جملات، رهف، رائد، إسراء، وافي، وكلهم كانوا يرسمون أحلامهم على جدران الخيمة، لكن القصف مسح أحلامهم وأحلام عائلتهم.
وفي مشروع بيت لاهيا شمال القطاع، لم تكن خيمة عائلة العسلية الوحيدة التي استهدفتها آلة الحرب. استشهد أربعة مواطنين، بينهم أطفال، بعد أن دُمرت خيمتهم في استهداف مماثل. وفي مكان قريب، انتشل الدفاع المدني جثث 15 شهيدًا آخرين لم تعرف هوياتهم بسبب تفحم أجسادهم، بعد قصف عنيف حوّل الخيام الهشة إلى أفران مشتعلة تلتهم من احتموا بها.
ليست عائلة عسلية ولا ضحايا بيت لاهيا وحدهم من قُصفت خيمتهم. في مواصي خان يونس جنوب القطاع، استُهدفت خيام أخرى لعائلات نازحة، حيث استُشهد أكثر من عشرة أشخاص، معظمهم أطفال، عندما تحولت الخيام إلى شراك موت نصبها الاحتلال ببرودة أعصاب. لا شيء يفسر هذا الجنون سوى الرغبة في إبادة شعب بأكمله.
الخيام، تلك البيوت المصنوعة من القماش، باتت رموزًا للمأساة الفلسطينية. هي الشاهد على النزوح القسري، على الهرب من البيوت التي تحولت إلى أنقاض، وعلى حياة تُختصر في بضعة أمتار مربعة من العراء. لكنها أيضًا الشاهد على الموت. ففي كل خيمة مستهدفة، كانت هناك أحلام صغيرة تُحكى تحت النجوم، وضحكات أطفال تتردد في الهواء، ونساء يحاولن تخفيف آلام النزوح.
الطائرات لا تفرق بين خيمة ومبنى، بين طفل ومقاتل، بين حلم صغير وحياة بسيطة. القصف الإسرائيلي يستهدف كل شيء، وكأنما يريد أن يمحو كل أثر للحياة في غزة. ورغم ذلك، يواصل الفلسطينيون التشبث بأمل ضعيف، بإرادة لا تنكسر، لأنهم يدركون أن الموت لن يهزم الحياة مهما اشتد الظلام.
في غزة، حيث باتت السماء تمطر نيرانًا، وحيث تتقاطع أحلام النازحين مع الموت في مساحات ضيقة من العراء، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب جرائمها البشعة. ليس فقط البيوت والمباني هي الهدف، بل حتى الخيام البالية التي لجأ إليها النازحون بحثًا عن الأمان، تحولت إلى نقاط استهداف. في خضم هذه المجازر، يتساءل سكان القطاع: هل يمكن للسماء أن تكون عدوًا؟
في الليل الحالك، حيث يجب أن يكون الأطفال نيامًا تحت دفء الأغطية، يتعرضون للقصف وهم داخل خيامهم الهشة، تأتي قوات الاحتلال لتكمل المأساة. تقصف المنشآت الصحية والمدارس والجامعات ودور العبادة، وكأنها تُحارب كل ما يرمز للحياة والأمل. تسلب النازحين مصدر رزقهم ومياههم، وتحاصرهم في ظروف غير إنسانية لا تطاق. لا تتوقف عند ذلك، بل تصعد من استهدافاتها المباشرة للمدنيين. تُطاردهم في الأماكن التي اضطروا للنزوح إليها، وتجبرهم على الفرار مجددًا نحو العدم، إلى مناطق تدّعي أنها آمنة، لكنها تحولت إلى مصائد موت.
تحت القصف المستمر، يلتهم الموت كل زاوية في قطاع غزة. حتى الهواء المحمل برائحة البحر صار ثقيلًا برائحة الدم. ورغم ذلك، يبقى هناك نبض للحياة، أمهات يبحثن بين الأنقاض عن أطفالهن، رجال يرفعون الركام بيد ويمسحون دموعهم باليد الأخرى، وأطفال يحلمون، رغم كل شيء، بغدٍ أقل قسوة، حيث الخيام تعود بيوتًا، وحيث السماء تنبض بالسلام بدلًا من النار.