فجر الأربعاء، ارتقت المصورة الصحفية الفلسطينية فاطمة حسونة شهيدةً جديدة في قائمة طويلة من الإعلاميين الذين اغتالتهم آلة القتل الإسرائيلية، خلال محاولتهم نقل الحقيقة من قلب الجحيم في غزة.
فاطمة، التي كانت توثق الموت وتكفكف الدموع بعدساتها، استُهدفت مع عشرة من أفراد عائلتها في قصف مباشر على منزلهم بحي التفاح شرق مدينة غزة، لتصمت الكاميرا،
الشهيدة فاطمة حسونة كانت من أبرز الصحفيات الميدانيات اللواتي وثّقن جرائم الحرب والانتهاكات بحق المدنيين منذ بداية العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة.
وبرزت بعدساتها كمصدر إنساني حي ينقل للعالم معاناة المحاصرين والجائعين في شمال القطاع، حيث أصرت على البقاء تحت الحصار وحرب التجويع، ولتصوّر ضحكات الأطفال وألم الأمهات ووجع الركام.
وبرحيل فاطمة، تفقد غزة صوتًا بصريًا كان يُقاوم بالكاميرا وسط ركام الحرب.
ويُضاف اسمها إلى قافلة الصحفيين الفلسطينيين الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لنقل الحقيقة.
منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر 2023، لم يكن الصحفيون في غزة "بلاط صاحبة الجلالة"، بل كانوا على رأس قائمة الاستهداف، يُلاحقون بكاميراتهم في الأزقة، وعلى أسطح البيوت، وفي المستشفيات، ويُغتالون بدم بارد.
أكثر من 212 صحفياً استُشهدوا حتى اللحظة، في ما وصفته مؤسسات دولية بـ"الإبادة الإعلامية" المتعمدة.
صمتٌ دولي مريب، وعجز أممي لا يفسّره سوى القبول الضمني بإسكات صوت غزة، ومنع العالم من رؤية المجازر اليومية. فحين تُستهدف الطواقم الإعلامية بشكل مباشر، وتُدك مقار القنوات ومنازل الصحفيين، فإن ذلك ليس خطأ عرضياً، بل سياسة ممنهجة لإخفاء الأدلة، وكتم الأصوات التي تفضح الجريمة.
في غزة، لا يرتدي الصحفي سترة "Press" للحماية، بل لتمييزه كهدف. الكاميرا أصبحت "سلاحاً محظوراً"، والكلمة جريمة يُعاقب عليها بالقصف
.
في ظل هذه المعادلة المختلة، يتحول الصمت الدولي من تقصير إلى تواطؤ، ومن عدم الاكتراث إلى شراكة في الجريمة، لتصبح العدسة الفلسطينية وحدها في ميدان الحقيقة، تقاوم بالكلمة والصورة، وتُسجّل تاريخاً سيحاكم الصامتين.
فاطمة حسونة، وقبلها احمد منصور ، حلمي الفقعاوي وغيرهم، لم يكونوا مجرد أسماء. كانوا شهوداً على المجازر، فسجّلوا ما استطاعوا، ثم دفعوا حياتهم ثمناً لصدقهم.
من يتابع نمط الاستهداف الإسرائيلي للصحفيين يلاحظ أن الأمر ليس عشوائياً ولا عرضياً. القصف يطال منازلهم في لحظات الراحة، مركباتهم أثناء التغطية، والمقرات الإعلامية في قلب الأحياء المكتظة، وكأن القرار واضح: "لا شهود على الجريمة".
قناة الجزيرة فقدت عدداً من مراسليها، وقنوات محلية مثل الأقصى، والقدس اليوم، وفلسطين اليوم، دُمّرت مكاتبها، بل وأُغلق المجال الجوي لمنع دخول صحفيين أجانب. لماذا؟ لأن ما يجري في غزة لا يحتمل عدسةً صادقة.
وفي الوقت الذي تُغلق فيه الكاميرات، وتنطفئ المايكروفونات تحت الردم، تبقى الحقيقة حية، تُنقل بدم الشهداء، وتصرخ في وجه عالم أصمّ، أعمى، أخرس