عاد البكاء إلى مستشفى المعمداني، وها هو الحزن يتمدّد من جديد، دون أن يترك ركنًا إلا وبلّله بالدموع، ولا جدارًا إلا ونقش عليه اسمًا جديدًا من الراحلين.
في ممرّات المعمداني، لم يكن الصمت وحده من يتحدّث؛ كانت الجدران تبكي، والهواء مثقلاً بأسماءٍ رحلت للتو. عاد الحزن ليسكن المكان، وهذه المرة على هيئة أطفال وأمهات وآباء من عائلتَي نصار وديب، جاؤوا لا طلبًا للعلاج، بل ليسجَّلوا في دفاتر الوداع الأبدي.
الدموع التي جفّت لأيام بعد استهداف المستشفى الأسبوع الماضي، عادت تتدفق، لا من العيون فقط، بل من القلب نفسه. كل سرير هنا صار شاهدًا على جريمة، وكل طبيب تحوّل إلى شاهدٍ لا معالج. أنين الأحياء اختلط بنداءات الوداع، وصدى "يا الله" ما زال معلقًا في سقف الطوارئ، يبحث عن مخرج.
لم يعد مستشفى المعمداني مكانًا للشفاء؛ صار ضريحًا مؤقتًا، ومحطة عبورٍ نحو السماء. وها هي غزة تُودّع أبناءها واحدًا تلو الآخر، فيما العالم يكتفي بالمراقبة، والأمهات ما زلن يبحثن في الوجوه عن آخر قبلة، وعن رائحة لم تكتمل.
بين أكياس الدم المتناثرة وصرخات الفقد، تخرج طفلة من بين الركام، تبحث عن أمّها، تمسك بيد الممرضة كأنها تتعلّق بالحياة الهاربة. تسألها:
"ماما نايمة؟"
لكن الجواب كان وجعًا أعمق من قدرتها على الفهم.
وهذه زوجة الشاب إبراهيم محمد ديب (27 عامًا)، الذي استشهد في حي التفاح شرق غزة، تجلس مذهولة عند باب قسم الجراحة. بين يديها شهادة زواجهما، كأنها تحاول إقناع الموت أن هذا الرجل كان لها، كان حيًّا قبل لحظات، يحلم بمستقبلٍ لهما، ويتحدث عن حلمه بطفلٍ يحمل اسمه مستقبلاً
تنظر حولها فلا ترى سوى جثمانه المسجّى، فتصرخ:
"إبراهيم؟! ما تخليني لحالي!"
لكن الصمت أقسى من أن يمنحها حتى وهْم الرد.
تتقدم نحو أقاربها، تمسكهم، تسألهم بصوتٍ مبحوح:
"هو استشهد؟ قال شيء؟ سأل عني؟"
في لحظة، صار الحلم طفلًا بلا أب، وصارت الأرملة أصغر من أن تحتمل كل هذا الثقل. أما إبراهيم، فصار صورة على حائطٍ مهدّم، واسمًا جديدًا في لائحة طويلة من الشهداء، لا تُكتب بالحبر، بل بالدم.
عائلة نصار... عناق الشهادة الأخير
أما أبناء عائلة نصار من حي الزيتون شرق غزة، فقد وُجدوا متعانقين تحت الركام، كأنهم اتفقوا أن يمضوا معًا، وأن لا يترك أحدهم الآخر وحيدًا في الرحيل.
الصغير كان يحتضن أخته بيدٍ واحدة، فيما اليد الأخرى لا تزال تمسك بقطعة خبز لم تُكتمل لقمتها.
طفلة من العائلة نجت بأعجوبة، تتكئ على الحائط المقابل لغرفة الطوارئ، تغني بصوتٍ خافت:
"يا أمي، قومي شوفيني..."
كأنها لم تُدرك بعد أن الأم قد غادرت، ولم يتبقَ سوى رائحتها في ثنايا الثوب الصغير.
أبناء نصار لم يكونوا أرقامًا في نشرة المساء؛ كانوا أحلامًا قصيرة وضحكات لم تُكمل فصلها الأول. كانوا وجعًا مكتومًا، وموسيقى صامتة، رحلت مبكرًا.
مستشفى لا يسع الألم
في المعمداني، المشهد أكبر من احتمال البشر.الأطباء ينهارون بصمت، الممرضات يبكين على أطراف الممر، والصحفيون يطفئون كاميراتهم للحظة؛ لأن الكادر لا يسع كل هذا الوجع.
هنا، لا وقت للبكاء، فالموت لا ينتظر. حتى الدموع باتت تُسرق على عجل، وتُمسح سريعًا لإفساح المجال لجنازات جديدة.
في غزة، صار الحزن منظمًا، له طقوسه ومواعيده، يطرق الأبواب دون استئذان، ويجلس على موائد الناس بلا دعوة.
ومع كل هذا، يخرج من بين الأنقاض صوتٌ مؤمنٌ مطمئن:
"حسبُنا الله ونِعم الوكيل..."
ففي غزة، حتى الموت لا يُخيفهم، لأنهم عرفوا أن الحياة الكريمة تُنبت من دماء الشهداء