أبٌ يصلّي على آخر أبنائه الثلاثة، وآخر يصلي على أبنائه الستة، وتطول المشاهد المشابهة لآباء قدّموا أبناءهم شهداء، ووقفوا بكل ثبات يصلّون عليهم، ويؤمّون الناس الباكين خلفهم على صوت تكبيرات الأب المكلوم.
هذا مشهد قد لا تراه إلا في غزة، حيث الثبات يفوق خيالات البشر، وحيث المعجزات تتجلى على هيئة آباء وأمهات رفعوا أعينهم إلى السماء شاكرين في لحظة فقد. ولم يكن الفقد لولد أو بنت فقط، بل فقدٌ طال كل العائلة، فعادوا فرادى وحدهم إلى الحياة ليكملوها وهم في تمام الرضا، رابطين على قلوبهم بإيمان لا يعرفه إلا أصحابه.
في قلب غزة، حيث تُحاك المآسي وتُصاغ دروس الصبر، يبرز الآباء كجبال شامخة، يواجهون العواصف بقلوب تعتصر ألمًا وعيون تنظر للسماء أملًا. بين هذه القصص، تقف حكاية "أبو صالح الشاعر"، الرجل الذي جُبل قلبه من الصبر والرضا رغم ما حلّ به من فقدٍ وألم، فقد فقد أبناءه الذكور جميعهم على التوالي.
في أول أشهر الحرب، كان مهند، الابن الأكبر لأبي صالح، يساعد في توزيع الإغاثة على العائلات التي هُدمت منازلها. في لحظةٍ غادرة، استهدفت طائرة حربية المنطقة. استُشهد مهند في الحال.
لم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى جاءت الضربة الكبرى. التي استهدف فيها الاحتلال صالح ومصعب، وبهما يكون أبو صالح فقد كل أبناءه الذكور.
أرقام تعكس حجم الألم
أبو صالح ليس وحده؛ فقد أظهرت التقارير المحلية أن الحرب الأخيرة تسببت في استشهاد أكثر من 3000 طفل وشاب، بالإضافة إلى مئات العائلات التي فقدت جميع أبنائها. تضاعف عدد الشهداء هذا العام عن الأعوام السابقة بنسبة 40%، ما يوضح شدة العنف الذي تعرض له المدنيون.
ورغم ذلك، وقف أبو صالح في جنازة أبنائه الثلاثة مرفوع الرأس، يخاطب الجمع الحاضر:
"لن نبكي، ولن ننحني. هذا قدرنا، وهذه أرضنا. سأزرع في قلوب من بقي من أبنائي حب الوطن والصمود. صبرنا اليوم هو قوتنا غدًا."
وفي نفس المشهد قبل أسبوع وقف أبو إبراهيم مهادي، فهو والد الشهداء الستة الذين استُشهدوا خلال قصف سيارتهم أثناء عملهم الاغاثي غرب دير البلح
صلى أبو أبراهيم على أبناءه، دفنهم وعاد إلى حياة مليئة بالصمت تخلو من كل أبناءه سوى صمتٍ قاتل وأجساد.
رغم فقدانه لأبنائه الستة، لم ينهار أبو إبراهيم. قال في لقاء مع وسائل الإعلام: "هم ليسوا أمواتًا، بل شهداء. صبرنا اليوم شهادة حق على ظلم الاحتلال، وحبنا لهذه الأرض لن يموت مهما بلغت الخسائر."
دروسٌ للعالم
إن صبر الآباء في غزة ليس فقط تعبيرًا عن قوة فردية، بل هو صرخة في وجه العالم الذي صمَّ آذانه عن معاناتهم. إنه درسٌ في الإيمان والصمود، وفي كيف يُمكن أن يتحول الألم إلى قوة تحمي الأرض وتصون الكرامة.
هذه القصة ليست مجرد حكاية؛ إنها واقع يتكرر كل يوم في غزة، حيث الآباء هم الحصن الأخير في وجه الحروب، وحيث الصبر هو الأمل الذي يُبقي القلوب نابضة بالحياة.