في لحظة كان يُفترض أن تكون لحظة وحدة وطنية، لحظة دموع الأطفال تحت الركام، وأشلاء الشهداء التي تُلملم من بين حجارة البيوت المدمرة، قرر محمود عباس أن يطلق رصاصة أخرى، لا على الاحتلال، بل على صدور المقاومين. لم يفعلها العدو نفسه بهذه الوقاحة حين وصف رجال المقاومة – الذين يقاتلون نيابة عن شعب بأسره – بـ"أولاد الكلب".
ما قاله عباس ليس مجرد زلة لسان، بل هو خلاصة مسار كامل من التخاذل والتواطؤ، مسار رسمته السلطة الفلسطينية منذ نشأتها، فحولت التنسيق الأمني إلى عقيدة، والمقاومة إلى خصم داخلي، والشهداء إلى أرقام مرفوضة في خطاباته، والاحتلال إلى "جار مختلف معه" في أحسن الأحوال.
حين يتحدث رئيس سلطة تحت الاحتلال عن مقاومي شعبه بهذه اللغة السوقية، ويستخدم ألفاظا لا تليق حتى في عراك الشارع، فهو لا يكشف فقط عن مستوى منحط في الخطاب السياسي، بل عن عجز أخلاقي مدوٍّ. كيف لرئيس لم يجرؤ يوماً على وصف المحتل بأي نعتٍ مشابه، أن يُطلق أقذر النعوت على من يواجهون القنابل بصدور عارية؟
عباس الذي جلس على الكرسي منذ عقدين دون انتخابات، بات لا يرى من الوطن سوى مكتبه، ومن الشعب سوى حراسه ومستشاريه، ومن القضية سوى جولات تفاوضية عبثية تُراكم الفشل فوق الفشل.
اليوم، ومع اشتداد الإبادة الجماعية في غزة، لم يجد عباس سبيلاً للظهور إلا من خلال خطابات التخوين، واستحضار قاموس الشتائم، وتكرار الرواية الأمنية الإسرائيلية نفسها: "سدّوا الذرائع".
حين تُسأل عن المطلوب لتتوقف الإبادة في غزة، في الضفة، في القدس، في كل فلسطين، فالجواب المؤلم هو أن الاحتلال لا يبحث عن رهائن، بل عن اقتلاع شعب كامل. ربط وقف العدوان بتسليم الأسرى محاولة وقحة لتبرير الإبادة الجماعية، ومن المؤسف أن تكون أنت واجهتها الإعلامية.
لقد تابعنا خطابات عباس على مدار السنوات، فوجدنا فيها كل شيء إلا الوطنية: رأيناه يطالب بضرب المقاومين: "اضربه وطخه". سمعناه يصف التنسيق الأمني مع العدو بأنه "مقدس". رأيناه يوقّع على اتفاقيات العار التي منحت الاحتلال شرعية على حساب الأرض. تابعنا صمته عن اقتحامات الضفة، وصراخه فقط عندما تتقدم المقاومة.
عباس لا يمثل الشعب الفلسطيني، ولا يعبّر عن ضميره الحي. من يصف المقاومين بـ"أولاد الكلب"، لا يستحق شرف تمثيل هؤلاء الذين يواجهون الدبابات بأجسادهم. من لم يذرف دمعة على شهداء غزة، لا يمكنه أن يدّعي أنه ابن فلسطين. من يعتبر المستوطن شريكًا، والمقاوم عدوًا، فقد اختار موقعه في صف الاحتلال.
المشكلة ليست فقط في الشتيمة، بل في السياق الكامل الذي جاءت فيه. عباس لم يغضب لأن الاحتلال يذبح، بل غضب لأن المقاومين يرفضون الاستسلام للمحتل. لم يهاجم من قصف البيوت، بل هاجم من حفروا الأنفاق تحتها لحمايتها. لم يُهاجم من احتجز آلاف الأسرى وعذّبهم، بل هاجم من خطف جنود الاحتلال ليبادلهم بحرية الأسرى.
في المقابل، كان قادة المقاومة – رغم كل شيء – أكثر احترامًا للشعب الفلسطيني ومكوناته، لم يهاجموا فتح، ولم يطعنوا في تاريخها، بل تمسكوا بوحدة الصف، ورفضوا بيع المواقف في سوق السياسة الأمريكية. قالوا للأمريكان: ملف اليوم التالي فلسطيني، لا تملكه لا فتح ولا حماس بل كل شعبنا. أما عباس، فباع كل شيء إلا الكرسي.
نعم، حين نسمع خطاب عباس، لا نستشعر سوى الخذلان. خذلان المقاتلين الذين يظنون أن في رام الله من يغطي ظهورهم. خذلان الأمهات اللواتي ينتظرن على الحواجز. خذلان الأطفال الذين يتعلمون كيف يربطون الكوفية قبل أن يتعلموا القراءة. خذلان وطن بأكمله.
عباس لم يتغير. منذ "كامب ديفيد" حتى اليوم، وهو يعتبر المقاومة خطأ، والاحتلال مشكلة يجب التفاوض معها، لا مواجهتها. من عاش على الذل، لا يعرف للكرامة طريقًا. من صافح المجرمين، لا يستحق أن يضع اسمه في سجل الأحرار.
وغدًا، حين يُكتب التاريخ، سيعرف أطفال غزة من الذي باعهم، ومن الذي حماهم. سيعرفون من قال عنهم "أولاد كلب"، ومن وقف معهم حين كان الموت يحوم حولهم. والتاريخ – كما نعلم – لا يرحم.