كيف حوّلت نساء غزة المعكرونة إلى طحين؟

كيف حوّلت نساء غزة المعكرونة إلى طحين؟
كيف حوّلت نساء غزة المعكرونة إلى طحين؟

الرسالة نت_ خاص

في غزة، لا تعني المكرونة وجبة سريعة التحضير كما يعرفها العالم، بل باتت بديلًا قاسيًا عن الطحين، وطوق نجاة في زمن المجاعة. لا شيء يُهدى هنا سوى الجوع، ولا سبيل للخبز إلا عبر طرق لم يعرفها الناس من قبل، فالحصار أنهك أجساد الغزيين، وترك الناس يبتكرون طرقاً ليصنعوا منها ما يشبه الخبز، وما يُقنع المعدة أنه “طعام”.

في مخيم النصيرات، كانت أم محمد اليعقوبي تجلس على قطعة إسفنج مهترئة، قرب خيمتها التي لا تقي من حرّ ولا برد، تُراقب وعاءً مملوءًا بالماء تنتفخ داخله أصابع المكرونة اليابسة. تنقعها منذ أربعة وعشرين ساعة، ثم تبدأ بفركها بين يديها على “الكربالة” — وهي غربال تقليدي — في مشهد لا يشبه شيئًا إلا مشهد النجاة من الغرق، لكن على اليابسة.

تروي أم محمد، وهي في منتصف الثلاثينيات من عمرها، للرسالة نت:

“لم يعد لدينا طحين منذ أسابيع. كيس الدقيق تجاوز 300 دولار، ونحن بلا عمل، بلا دخل، نعيش على ما تجود به أيدينا من حيل.”

لم تكن المكرونة أولى البدائل، بل واحدة من عدة محاولات تجرّبتها الأمهات لإطعام أطفالهن. فالقمح اختفى، والخبز أصبح ترفًا لا تحمله الأكياس ولا الأرغفة. كل ما تبقى هو الخيال… ومكرونة.

تأخذ العجينة الناتجة من الطحن، تضيف إليها القليل من الخميرة، تشكّلها بأطراف أصابعها الخشنة على شكل أقراص خبز، ثم تضعها فوق صاج معدني على نار هزيلة توقدها بأخشاب مكسّرة أو بقايا أثاث. تصف الطعم بأنه “ليس كالخبز”، لكنه أفضل من لا شيء.

“أحيانًا يتفتت الرغيف بين أيدينا، لكنه يملأ المعدة قليلًا، ونقنع الأطفال أنه خبز حقيقي.”

في نفس المكان ، تخوض (أ.م) صراعًا آخر. لا طحين لديها ولا حتى مكرونة، فابتكرت طريقًا ثالثًا.

“كنت أجمع بقايا الخبز اليابس من الجيران، أنقعه بالماء ثم أعجنه من جديد، أضيف له الخميرة وأشكله وأخبزه. لكنه لا يُشبع، فقط يُسكِت الجوع لبعض الوقت.”

لكن حتى هذا المصدر نضب.

“لم يعد أحد يتخلّى عن الخبز اليابس، الكل بات يأكله. لا أحد يرمي فتاته.”

هذه ليست حكايات رمزية، بل يوميات حقيقية تعيشها نساء قطاع غزة في ظل حصار خانق. شهران كاملان منذ أن أغلقت إسرائيل المعابر بشكل تام، فاختفت المواد الأساسية، وتوقّف توريد الغذاء، وعجزت المؤسسات عن توزيع الطحين أو المواد الجافة. ارتفعت الأسعار بشكل خيالي، وانهارت القدرة الشرائية بالكامل.

أطلقت وزارة الصحة في غزة إنذارًا رسميًا من تفشي حالات سوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن. فالجسد لا يحتمل البقاء على فتات المعكرونة، ولا المعدة تعرف كيف تهضم العجين غير المتماسك.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير