في مخيم النصيرات، حيث الأزقة الضيقة تحمل وجوه المارة وحكاياتهم، حمل أيضًا جثمان الصغير حسن عياد، الذي اشتهر بأغنياته في مراكز النزوح، وبين الأطفال المجتمعين الباحثين عن أمل في الحياة.
وحيث كل زاوية شاهدة على آلام الحرب، عاش حسن علاء عياد طفولته القصيرة. كان حسن ابن الثالثة عشرة مختلفًا. في صوته كان شيء أكبر من سنواته، كان يغني للوطن بحب يشبه حب الكبار، ويردد كلمات تمتلئ بالعزة والألم: "اشهد يا عالم علينا وهدموا بيوت".
لم تكن تلك الكلمات مجرد أغنية يرددها حسن؛ كانت صرخة طفل يعرف أن البيوت حوله قد تهدم في أي لحظة، وأن كل صباح جديد في غزة هو معجزة. كان يغني في المسيرات الوطنية، وفي المناسبات التي تحكي قصة صمود شعبه. صوته الطفولي كان يُحيي الأمل في قلوب من حوله، وكأن حنجرته الصغيرة تحمل عبء الوطن بأكمله.
لكن في غزة، حيث الحياة باتت مستعارة من الموت، لا مكان للأحلام الطويلة. في ليلةٍ شديدة السواد، اجتاحت الغارات (الإسرائيلية) مخيم النصيرات، مستهدفة كل شيء دون رحمة. كان حسن في مكانٍ اعتقد أنه آمن، بين عائلته وأصدقائه، يحتمي بجدرانٍ لم تصمد أمام القصف. سقط الركام على جسده الصغير، لينضم إلى قائمة طويلة من الشهداء الذين لم تمنحهم الحرب فرصةً للحياة.
حُمل جسد الصغير وصدى صرخات والده يتردد إلى جانبه، والكل يكرر الجملة ذاتها منذ عام ونصف: "لماذا يقتلون أطفال غزة؟!" ولكن لا إجابة تشفي الغليل، كما لا قتل يشبع حقد هذا الاحتلال السادي الذي مارس الإبادة بكل أشكالها على أطفال غزة وسط صمت دولي وعربي.
قصة حسن ليست استثناءً، بل هي جزء من صورة أكبر وأشد قتامة. في غزة، تقتل (إسرائيل) طفلًا كل 45 دقيقة، كما لو أن براءة الطفولة هنا جريمة تُعاقب بالموت. بمعدل 30 طفلًا يوميًا، سقط آلاف الأطفال منذ بدء العدوان. منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ارتقى ما لا يقل عن 17,400 طفل، بينهم 15,600 تعرفت عليهم عائلاتهم، بينما لا يزال الكثيرون مدفونين تحت الأنقاض، بلا وداع ولا قبور تليق ببراءتهم.
لم يكن حسن وحده ضحية هذه الجريمة. ذكرت مصادر محلية أن الاحتلال أغار مرتين على نفس المكان، الغارة الأولى استهدفت دراجة نارية في محيط تبة النويري بمنطقة الحساينة غرب مخيم النصيرات، فيما استهدفت الثانية سيارة مدنية قرب برج النوري وسط مخيم النصيرات، ليرتقي خمسة شهداء، وكان من بينهم الصغير حسن.
وفي ذلك قال مستشفى العودة أن الشهداء وصلوا أشلاء، بالإضافة إلى 21 إصابة، فيما امتلأ قسم الاستقبال والطوارئ بالإصابات جراء الغارتين. كانوا جميعا يمرون في تلك البقعة ما قبل الموت وعرف منهم؛ سلامة جمال قنديل، ويحيى عدنان عبد الهادي، والطفل حسن علاء عياد، وحمد تيسير حسان، وعيد زهدي حسان.
حسن كان واحدًا من هؤلاء الأطفال الذين كبروا وسط الحرب ولم يُمهلهم القصف ليكملوا طريقهم. كان يحمل في صوته كل ما أراد أن يكونه. كان يرى نفسه فنانًا، يغني للوطن في كل مدينة وقرية. لكنه رحل مبكرًا، تاركًا وراءه فراغًا كبيرًا في قلوب من عرفوه.
اليوم، يُضاف اسم حسن علاء عياد إلى قوافل الشهداء، لكنه ليس مجرد رقم في قائمة طويلة من الأطفال الذين فقدوا حياتهم. هو قصة شعب بأكمله، قصة صمود ووجع، قصة طفولة تُذبح كل يوم تحت القصف والحصار. حسن كان يغني لفلسطين، والآن، صوته قتل، لكن ذكراه ستبقى شاهدًا على جرائم الاحتلال التي سرقت أحلام الأطفال وأرواحهم، وتركت غزة تبكي على شهدائها الصغار.