حذّر الدكتور محمد أبو ندى، استشاري أول في طب الأعصاب والدماغ للأطفال، من تداعيات خطيرة لسوء التغذية المتفاقم في قطاع غزة، خاصة على الأطفال حديثي الولادة والرضّع، في ظل الظروف القاسية التي فرضتها الحرب والحصار، واستمرار إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات الغذائية والدوائية، بما فيها المكملات الضرورية.
تأثير مباشر على الدماغ والجهاز العصبي
وقال أبو ندى إن سوء التغذية لا يؤثر فقط على صحة الجسم بشكل عام، بل يُحدث أضرارًا جسيمة على مستوى الدماغ والجهاز العصبي، خصوصًا في السنوات الأولى من عمر الطفل، والتي تُعدّ حاسمة في تكوين الخلايا العصبية والنمو العقلي والحركي.
وأشار إلى أن نقص البروتينات، والدهون الصحية، والفيتامينات مثل فيتامين B12، بالإضافة إلى عناصر أساسية كاليود، والحديد، وأحماض الأوميغا 3، يؤدي إلى تأخر في الزحف، والجلوس، والمشي، والنطق، إلى جانب صعوبات في التركيز والتعلّم لاحقًا.
وأوضح أن سوء التغذية قد يتسبب في تلف الأعصاب الطرفية واضطرابات سلوكية مثل العصبية المفرطة، والانطواء، وضعف التفاعل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن هذه الأضرار قد تُفضي إلى إعاقات دائمة إذا لم تُعالج في وقت مبكر.
وشدد استشاري طب الأطفال على أهمية الرضاعة الطبيعية والطعام المتوازن في دعم النمو السليم، لكن الواقع المعيشي في غزة يجعل تحقيق ذلك شبه مستحيل في ظل انعدام الأمن الغذائي، وسوء تغذية الأمهات، وندرة الحليب، والبيض، والمواد الأساسية.
وأشار إلى أن القطاع يشهد نقصًا حادًا في المكملات الغذائية الضرورية للأطفال والحوامل، بسبب إغلاق المعابر منذ أكثر من شهرين، مما يُفاقم الأزمة الصحية ويُهدد جيلاً كاملاً بعواقب طويلة الأمد.
وأكد أبو ندى أهمية المتابعة الطبية والتقييم المستمر للنمو العصبي والذهني للأطفال، لكن الأوضاع الأمنية والمعيشية تجعل من هذا التقييم مهمة شاقة إن لم تكن مستحيلة، في ظل غياب الخدمات الأساسية وتدمير البنية الصحية.
معدلات غير مسبوقه
وقال أبو ندى أن معدلات سوء التغذية الحاد بين أطفال قطاع غزة تتصاعد، حيث بدأت الأعراض بالظهور منذ الأشهر الأولى للحرب، نتيجة الحصار المشدد ونقص المساعدات الغذائية والطبية، وتفاقمت مؤخرًا إلى مستويات مقلقة.
وأضاف: "بدأنا نلاحظ علامات واضحة للهزال الشديد على الأطفال، خاصة من هم دون سن الثلاث سنوات، من بينها الوجوه الشاحبة، الأجساد الضعيفة، والانخفاض الحاد في الوزن".
وتابع: "هناك أطفال فقدوا القدرة على المشي، وظهرت عليهم أعراض سلوكية شبيهة بالتوحد بسبب النقص الكبير في الوزن".
ووفقًا للتقديرات الطبية، يبين الاستشاري إن 15% من الأطفال دون سن الثانية في شمال غزة يعانون من سوء تغذية حاد، وهو رقم غير مسبوق محليًا ودوليًا، خاصة أنه سُجل خلال فترة زمنية قصيرة
ولفت أبو ندى إلى أن نقص التغذية لا يؤثر فقط على الوزن، بل يؤدي إلى ضعف شديد في المناعة، ما يجعل الأطفال عرضة لأمراض معدية متكررة.
ونوّه إلى أن 70% من الأطفال دون سن الخامسة أُصيبوا بالإسهال خلال الأسابيع الأخيرة، ما يُعرّضهم لخطر الجفاف وسوء الامتصاص الغذائي، ويزيد من احتمالات الإصابة بالالتهاب الرئوي والتهاب السحايا، خاصة في ظل غياب الرعاية الصحية الفاعلة.
وقال إن إغلاق المستشفيات والمراكز الصحية بسبب القصف والنزوح، ونقص الإمدادات الطبية، حرم آلاف الأطفال من الرعاية الأساسية.
ودعا استشاري طب الاعصاب المجتمع الدولي إلى وقف الحرب بشكل فوري، وفتح معبر رفح، والسماح بدخول الأدوية، وإعادة افتتاح المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، وتوفير المساعدات الغذائية والطبية فورًا، مشددًا على ضرورة إعادة تشغيل مراكز التغذية المتخصصة، وتحسين وصول المياه النظيفة إلى منازل المواطنين.
الجهاز العصبي أول المتضررين من الصدمات النفسية
وحول تأثير الخوف والصدمات النفسية على الجهاز العصبي للاطفال أكّد الدكتور محمد أبو ندى أن الصدمات النفسية والخوف المزمن يتركان آثارًا عميقة على الأطفال، لا تقتصر على الجانب النفسي فقط، بل تمتد لتؤثر على بنية الدماغ ووظائفه.
وأوضح أن الخوف المستمر الناتج عن القصف والنزوح والدمار يؤثر بشكل مباشر على القشرة الأمامية للدماغ، المسؤولة عن التركيز والانتباه والتنظيم الذاتي، مضيفًا أن إفراز هرمون الكورتيزول بشكل مفرط نتيجة الصدمة يؤدي إلى خلل في المناعة واضطرابات في التمثيل الغذائي.
وذكر أن الجهاز العصبي لدى الأطفال هو من أوائل الأجهزة التي تتأثر بالضغوط النفسية، ما ينعكس على وظائف الجسد، وقال:"كثير من الأمراض الجسدية لدى الأطفال منشؤها نفسيًا، كاضطرابات ما بعد الصدمة، وقد تتطور إلى أمراض عضوية مثل أمراض القلب، السكري، اضطرابات المناعة، الصداع النصفي، القولون العصبي، والألم المزمن".
وتابع : "ما نراه اليوم من تدهور نفسي شديد قد يتحول إلى أعباء صحية مزمنة في المستقبل، ما لم يتم التدخل بالدعم النفسي والغذائي والطبي المناسب. إنها أزمة صامتة لكنها أشد فتكًا مما يظن كثيرون".
أدوية مفقودة وحياة الأطفال في خطر
وعن النقص في الأدية الخاصة بالأطفال أطلق الدكتور أبو ندى تحذيرًا خطيرًا بشأن النقص الحاد في أدوية الأطفال، لا سيما الأدوية الحيوية المرتبطة بأمراض الدماغ والجهاز العصبي.
وقال إن الوضع الدوائي في غزة كارثي بكل المقاييس، مشيرًا إلى أن معظم الأدوية الأساسية غير متوفرة نهائيًا، وإن وُجدت فهي بكميات ضئيلة أو بجودة متدنية وبتواريخ صلاحية قريبة الانتهاء.
ولفت إلى غياب أدوية بالغة الأهمية، مثل أدوية اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (كالريتالين)، وأدوية الصرع والتشنجات، بالإضافة إلى أدوية الكورتيزون والمورفين المستخدمَين في السيطرة على الألم.
وأكد أن هذا النقص لا يقتصر على الأطفال فقط، بل يشمل جميع الفئات العمرية، ما يضاعف من تدهور الرعاية الصحية، ويُعقّد التعامل مع الحالات الطارئة.
وختم الدكتور أبو ندى بالقول: "الوضع في غزة لا يُحتمل، وإذا لم يكن هناك تحرك دولي فوري، فإننا سنشهد ارتفاعًا مأساويًا في أعداد وفيات الأطفال نتيجة الجوع والمرض".