في يوم آخر من أيام غزة المثقلة بالفقد، استشهد الزميل يحيى صبيح، الصحافي الذي بالكاد احتضن فرحته بولادة ابنته الصغيرة "أميرة". ربما كان يحيى يجوب الأسواق، يلاحق فتات الحياة، بحثًا عن طعام لزوجته وحليب لرضيعته، حين خطفته طائرات الاحتلال بلا رحمة، في مجزرةٍ أضافته إلى قائمة طويلة من الضحايا الأبرياء.
استشهد يحيى برفقة أرواح كثيرة طاهرة، جائعة وهائمة بأجساد هزيلة، أطفال يبيعون القهوة في الزوايا الضيقة، آباء يحمون أطفالهم بأجسادهم، وأمهات يركضن بأحضانهن أطفالهن نحو أملٍ لا يأتي. طائرات الاحتلال لم تفرق بين أحد، فجعلت من المكان مسرحًا للدمار والحداد.
ليست هذه حربًا، بل شراهةٌ متوحشة للقتل الجماعي. إبادة جماعية، في كل غارة مزيدٍ من الدماء لتروي شهوة السادية التي تسكن جنودًا مدربين عليها.
يحيى الذي غادرنا، ترك وراءه "أميرة" تكبر في حضن فقدها، وزوجةً تودع الحلم الذي لم يكتمل. غزة تحصي موتاها كل يوم، كأن الحياة صارت انتظارًا دائمًا لأحزانٍ جديدة، في وجه آلةٍ لا تعرف إلا صناعة الموت.
هذا ما حدث، قصف لم يعد مفاجئًا للمارين، لكنه هذه المرة في منطقة مزدحمة مليئة بالمارة والباعة، مفترق مطعم بالميرا غرب مدينة غزة، تحول إلى سوق شعبي لما تبقى من بضائع مع البائعين.
ارتقى 23 شهيدًا في حصيلة أولية، وكان معهم شاب تملأ قلبه السعادة لأنه أصبح أبًا في الساعات الأولى من هذا اليوم، ليرتقي شهيدًا في هذه اللحظة.
في قلب الحصار والجوع والدمار، كان يحيى صبيح يقف بجرأته المعتادة، يحمل كاميرته بين يديه كأنها سلاح مقاومة في وجه آلة القتل الإسرائيلية. كان يعلم أن مهمته محفوفة بالمخاطر، لكنه لم يتراجع يومًا عن توثيق الحقيقة، واليوم أصبح هو الخبر، حينما اغتالت طائرات الاحتلال جسده وفرحته التي لم يشبع منها.
يحيى، الصحفي الشاب، عاش حياة مليئة بالصعاب. لم يكن مشواره في الصحافة سهلاً وسط الحصار الذي يقيد الأنفاس في غزة، لكن إيمانه العميق بأهمية الكلمة والصورة جعله يقاوم التعب واليأس. كان حلمه أن يروي للعالم حكايات شعبه، أن ينقل تفاصيل القهر الذي يعيشه أهله، وأن يكون شاهدًا على جرائم الاحتلال التي يحاول العالم التظاهر بعدم رؤيتها.
لم يمهله الاحتلال طويلًا. أثناء عمله في تغطية العدوان، استهدفت طائرات الاحتلال يحيى بشكل مباشر، لتضيف اسمه إلى قائمة طويلة من الصحفيين الفلسطينيين الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لنقل الحقيقة. رحل يحيى تاركًا خلفه طفلة لن ترى أباها أبدًا، وزوجة تحمل وحدها عبء الحياة، وكاميرا تروي قصته بدلًا منه.
يحيى صبيح لم يكن مجرد صحفي؛ كان صوتًا لكل من لا صوت له، ومرآة للحقيقة التي يحاول الاحتلال طمسها. استشهاده يمثل جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الاحتلال الأسود، لكنه في ذات الوقت يخلّد يحيى كرمز للمقاومة بالكلمة والصورة، وشاهدًا على الإبادة التي تُمارس بحق الفلسطينيين في غزة.
وبهدذه المجزرة يكون عدد الشهداء قد وصل إلى 100 شهيد و193 مصابا في قطاع غزة منذ فجر هذا اليوم، وذلك حسب آخر احصائية لوزارة الصحة.