تالا أبو عودة، طفلة لم تتجاوز الخامسة من عمرها، كانت تعيش طفولتها البسيطة في شوارع غزة برفقة والدها، عندما باغتتهما قذيفة أطلقتها طائرات الاحتلال (الإسرائيلي)، مزّقت أحلامها الصغيرة وبترت يدها اليسرى.
في تلك اللحظة المروعة، كانت تالا تمسك بيد والدها، متشبثة بالأمان الذي سرعان ما انهار تحت وطأة الانفجار. غابت عن الوعي، وحين أفاقت في المستشفى، لم تجد يدها. نظرت حولها بعينين صغيرتين مملوءتين بالخوف والصدمة، وكأنها تبحث عن جزء منها سُرق إلى الأبد.
لم تكن تالا تدرك ما حدث. كل ما تفهمه أن يدها لم تعد موجودة. سكنت الصدمة قلبها الصغير، واستوطنت الدموع عينيها، ومع كل يوم يمضي، كانت تسأل والدها سؤالًا واحدًا يعجز عن إجابته: "أين يدي؟". توقفت تالا عن الحديث مع الجميع، وغاصت في صمتها الحزين، وكأن الكلمات لم تعد قادرة على التعبير عمّا يعتريها من ألم.
يقول والدها، يحيى أبو عودة: "قبل أيام، زارت تالا المدرسة التي كانت تحاول العودة إليها رغم كل شيء. كان هناك مجموعة من الشباب المتطوعين الذين حاولوا الترفيه عن الأطفال ورسم الابتسامة على وجوههم الصغيرة. جلس الأطفال في حلقات، ورسم المتطوعون على أيديهم الزهور والفراشات."
ويتابع: "مدّت تالا يدها الوحيدة، فنظر المتطوّع إليها برفق، ثم رسم لها فراشة جميلة. ابتسمت للحظات، ثم رفعت ذراعها الأخرى، حيث كان ينبغي أن تكون يدها، وسألت بهدوء حزين: أين يدي؟".
هذا السؤال الذي يتكرر كل يوم أصبح كابوسًا يلاحق والدها. ومع ذلك، يحاول أن يطمئنها، يعدها بأن يدها ستعود يومًا ما، لكنه يعلم أن الحقيقة أقسى من أن تُقال.
والدها يحيى، الذي نجا بأعجوبة من القصف نفسه، يقف عاجزًا أمام دموع طفلته، يناشد العالم ويوجّه صرخات استغاثة إلى كل من يستطيع أن يساعد: "ابنتي بحاجة إلى طرف صناعي، لكنها بحاجة أكبر إلى علاج نفسي يعيد إليها طفولتها. لا أعرف كيف أجيبها عندما تسألني كل يوم: أين يدي؟"
تالا ليست حالة فردية، إنها واحدة من آلاف الأطفال الذين دمّرتهم الحرب (الإسرائيلية) المتواصلة على قطاع غزة منذ أكثر من عام ونصف، والتي لا تفرّق بين صغير وكبير. ووفقًا للإحصائيات الأخيرة، فإن 70% من ضحايا العدوان هم من النساء والأطفال. وقد تجاوز عدد الأطفال الشهداء 30,000، فيما أُصيب أكثر من 45,000 بجروح، كثير منهم فقدوا أطرافهم وأحلامهم.
تالا، بيدها الصغيرة التي اختفت، تمثّل جرحًا غائرًا في قلب غزة، وجسدًا صغيرًا يحمل ألمًا لا ينتهي.