تواصل القوات المسلحة اليمنية قصف العمق الإسرائيلي، مثبتة أن الدعم العسكري لغزة لا يقتصر على الشعارات بل يتجسد بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي تهزّ أمن الاحتلال وتربك حساباته.
وأعلن جيش الاحتلال، اليوم الجمعة، اعتراض صاروخ أُطلق من اليمن باتجاه الأراضي المحتلة. هذا الإعلان جاء بعد أن دوت صفارات الإنذار في مختلف المدن الكبرى، بما في ذلك "تل أبيب" ومطار "بن غوريون" الذي أُجبر على تعليق الرحلات مؤقتًا وسط حالة من الفوضى والهلع.
جبهة اليمن... السند الحقيقي لغزة
تؤكد هذه التطورات أن جبهة اليمن أصبحت رقماً صعباً في معادلة الصراع، ورافعة حقيقية تسند المقاومة الفلسطينية عسكرياً ومعنوياً. فما إن احتدمت المعركة في غزة، حتى انطلقت الصواريخ والمسيّرات من عمق الأراضي اليمنية، تضرب "إسرائيل" بين عينيها، وتُدخل المستوطنين في حالة غير مسبوقة من الرعب والارتباك.
المشاهد التي تناقلتها وسائل الإعلام العبرية كانت أكثر تعبيراً عن هذا الرعب، حيث أظهرت لقطات فرار آلاف المستوطنين من شواطئ "تل أبيب"، بينما اندفع الملايين نحو الملاجئ في حالة من الهستيريا الجماعية. المراقبون وصفوا هذه المشاهد بأنها تكرار لهزائم الاحتلال أمام المقاومة، ولكن هذه المرة جاءت الصواريخ من بعد 2000 كيلومتر، في رسالة أن عمق "إسرائيل" مكشوف ومهدد من كل الاتجاهات.
شلل اقتصادي وحالة طوارئ مفتوحة
منذ استئناف الحرب على غزة، أطلقت جماعة الحوثي 29 صاروخاً وأكثر من 10 طائرات مسيّرة باتجاه الأراضي المحتلة، وفق ما أوردته إذاعة جيش الاحتلال. الهجمات الأخيرة لم تكن مجرد صواريخ عابرة، بل أصابت أهدافاً استراتيجية، كان أبرزها محيط مطار "بن غوريون"، ما تسبب بشلل شبه كامل للحركة الجوية، وعزز من حالة الطوارئ داخل الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
القناة 14 العبرية كشفت عن فشل منظومة "ثاد" الأمريكية المتطورة في اعتراض صواريخ اليمن للمرة الثانية خلال أسبوع، في إخفاق عسكري مدوٍّ زاد من مخاوف الإسرائيليين، وأثار تساؤلات عن جدوى التحالفات العسكرية مع الولايات المتحدة.
ورغم توصل اليمن إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لوقف استهداف السفن الأميركية، إلا أن جماعة أنصار الله أكدت بشكل قاطع أن "إسرائيل" تبقى هدفاً مشروعاً حتى توقف عدوانها على غزة.
وأكد القيادي في الجماعة محمد البخيتي أن العمليات العسكرية ضد الاحتلال مستمرة، سواء في البحر الأحمر أو عبر استهداف الداخل الإسرائيلي، مشدداً على أن أي تصعيد إسرائيلي سيفتح الأبواب لمزيد من الحصار الجوي والبحري على الاحتلال.
(إسرائيل) في مأزق استراتيجي
المحلل العسكري درورن كادوش من إذاعة الجيش الإسرائيلي أقر بأن "إسرائيل تجد نفسها اليوم وحيدة في مواجهة التهديد الحوثي"، مشيراً إلى أن وقف العمليات الأميركية في اليمن ترك الاحتلال مكشوفاً أمام هذا التهديد الجديد. وأكد أن على الحكومة الإسرائيلية اتخاذ قرارات استراتيجية عاجلة لمواجهة الخطر الذي أصبح يهدد كل شبر من الأراضي المحتلة.
يائير لابيد، زعيم المعارضة، صعّد من لهجته ضد حكومة نتنياهو، متهماً إياها بالجبن والتقصير. وقال في تصريحات غاضبة: "لا يمكن لإسرائيل أن تستمر في انتظار صاروخ حوثي يُسبب كارثة جماعية. على نتنياهو أن يتحلى بالشجاعة ويوسع نطاق الهجمات داخل اليمن لضرب البنى التحتية ومصانع الأسلحة، حتى لو تطلب الأمر عمليات خاصة لتصفية الخبراء الإيرانيين هناك".
وفي موقف يفضح مدى هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، قال أفيغدور ليبرمان إن "هروب ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ بعد مرور عام وسبعة أشهر على الحرب أمر لا يصدق، إنه فشل مدوٍّ لحكومة نتنياهو".
من غزة المحاصرة إلى صنعاء الصامدة، تؤكد الوقائع أن معادلات القوة تغيرت، وأن الاحتلال الإسرائيلي بات أمام جبهات متعددة تتكامل في ميدان القتال رغم البُعد الجغرافي. فما عجزت عن تحقيقه عشرات الجيوش العربية لعقود، أصبحت تحقق بعضه اليوم صواريخ ومسيّرات مقاومة تنطلق من جبال اليمن، تهز تل أبيب وتعيد حسابات الاحتلال.
وبات واضحاً أن استمرار الحرب على غزة لن يبقى شأناً محصوراً داخل حدود القطاع، بل سيبقى باب النار مفتوحاً على "إسرائيل" من البحر إلى البر، ومن صنعاء إلى بيروت وغزة. وأمام هذا الواقع، لم يعد أمام الاحتلال سوى خيار واحد: إما وقف العدوان، أو الاستعداد لمفاجآت أكبر قد تأتي هذه المرة من حيث لا يحتسب.